وقال الشايب في حديث مطول لموقع "
إسلام تايمز" إن ما يجري اليوم لا يمكن قراءته باعتباره مجرد حملة أمنية عابرة أو إجراءات مرتبطة بظروف استثنائية، بل يعكس توجهاً استراتيجياً متراكماً لدى السلطة يهدف إلى إعادة صياغة المشهد السياسي والاجتماعي والديني في البحرين بصورة تتوافق مع متطلبات المرحلة الإقليمية الجديدة والتحالفات السياسية التي انخرطت فيها المنامة خلال السنوات الأخيرة.
وأضاف أن الحرب على إيران لم تكن حدثاً عسكرياً منعزلاً بالنسبة للسلطات البحرينية، بل شكلت فرصة سياسية وأمنية استُخدمت لتبرير مزيد من التضييق الداخلي، ولإطلاق موجة جديدة من الاستهداف طالت شرائح واسعة من المجتمع البحريني، وخصوصاً في الأوساط الدينية والثقافية والاجتماعية التي تُعرف بمواقفها الرافضة للتطبيع أو المؤيدة لخيار المقاومة في المنطقة.
وأوضح الشايب أن البحرين شهدت منذ أحداث عام 2011 حملات واسعة من الاعتقالات والمحاكمات والإجراءات الأمنية، إلا أن ما يجري حالياً يحمل أبعاداً مختلفة وأكثر خطورة، لأن الاستهداف لم يعد مقتصراً على النشاط السياسي المباشر، بل بات يشمل الهوية الفكرية والدينية والثقافية لفئات واسعة من المجتمع.
وأشار إلى أن السلطة انتقلت من مواجهة المعارضة السياسية إلى محاولة إعادة تشكيل المجتمع نفسه، عبر فرض أنماط جديدة من الولاء السياسي وإعادة هندسة المجال العام بما يقلص من استقلالية المؤسسات الاجتماعية والدينية ويحد من قدرتها على التأثير داخل المجتمع.
وأضاف أن خطورة المرحلة الحالية تكمن في كونها تستهدف البنية العميقة للمجتمع البحريني، وليس فقط النخب السياسية أو التنظيمات المعارضة، الأمر الذي يجعل آثارها طويلة الأمد وتتجاوز الحسابات الأمنية التقليدية.
ورأى الشايب أن أحد أخطر المؤشرات في المرحلة الراهنة يتمثل في حجم الضغوط التي تتعرض لها المرجعيات الدينية والعلماء والخطباء والناشطون الدينيون، معتبراً أن استهداف هذه الشريحة يحمل دلالات سياسية تتجاوز الأبعاد الأمنية المعلنة.
وقال إن المؤسسة الدينية في البحرين لعبت تاريخياً دوراً اجتماعياً وثقافياً وتربوياً مهماً، وكانت تشكل إحدى ركائز الاستقرار المجتمعي، ولذلك فإن استهدافها أو محاولة إخضاعها للرقابة السياسية المباشرة ينعكس سلباً على مجمل الواقع الوطني.
وأضاف أن الملاحقات التي طالت عدداً من العلماء والخطباء خلال الفترة الأخيرة تعكس توجهاً نحو الحد من استقلالية الخطاب الديني ومحاولة وضعه تحت سقف سياسي محدد، بما يمنع أي مساحة للتعبير عن مواقف تختلف مع السياسات الرسمية.
وفي ما يتعلق بالشعائر الحسينية، أكد الشايب أن هذه الشعائر أصبحت في السنوات الأخيرة هدفاً متكرراً لإجراءات التضييق والرقابة، مشيراً إلى أن ما يجري لا يتعلق فقط بتنظيم المناسبات الدينية، بل يرتبط بمحاولة أوسع لإعادة تعريف المجال الديني العام.
وأوضح أن الشعائر الحسينية تمثل بالنسبة لشريحة كبيرة من البحرينيين جزءاً أساسياً من هويتهم الدينية والثقافية والتاريخية، ولذلك فإن أي تدخل في تفاصيلها أو فرض قيود متزايدة عليها يُنظر إليه داخل المجتمع بوصفه مساساً بحقوق أساسية تتعلق بحرية المعتقد والممارسة الدينية.
وأضاف أن موسم عاشوراء تحديداً بات يخضع لمستويات متزايدة من الرقابة والمتابعة، وهو ما يثير مخاوف من محاولات مستمرة للحد من استقلالية المجالس الدينية والمواكب الحسينية والخطاب المرتبط بها.
كما تطرق الشايب إلى ملف إسقاط الجنسية، معتبراً أنه من أكثر الملفات حساسية وخطورة في البحرين، نظراً لما يترتب عليه من آثار قانونية واجتماعية وإنسانية واسعة.
وقال إن سحب الجنسية من المواطنين وتحويل هذا الإجراء إلى أداة سياسية يمثل انتهاكاً خطيراً لمبادئ المواطنة الحديثة، ويؤدي إلى إضعاف الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة.
وأضاف أن هذا الملف يتقاطع مع قضية التغيير الديمغرافي التي أثيرت طوال السنوات الماضية، حيث يرى كثير من الناشطين أن هناك سياسات تهدف إلى إعادة تشكيل التوازنات السكانية والسياسية داخل البلاد بما يخدم اعتبارات السلطة واستراتيجياتها المستقبلية.
وربط الشايب بين التطورات الداخلية في البحرين وبين التحولات الإقليمية الكبرى التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، معتبراً أن السياسات الداخلية لا يمكن فصلها عن شبكة التحالفات التي انخرطت فيها المنامة على المستويين الإقليمي والدولي.
وأوضح أن اتفاقيات التطبيع والتحالفات الأمنية الجديدة أوجدت بيئة سياسية مختلفة دفعت بعض الحكومات إلى التعامل مع قضايا الهوية والمقاومة والانتماء الثقافي من منظور أمني وسياسي أكثر تشدداً.
وأضاف أن هذا التحول انعكس بصورة واضحة على الخطاب الرسمي تجاه القوى والشخصيات التي ترفض التطبيع أو تعلن تضامنها مع قضايا المنطقة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
الحرب على إيران واستهداف البيئة المؤيدة للمقاومة
وأشار الشايب إلى أن الحرب التي استهدفت الجمهورية الإسلامية الإيرانية شكّلت محطة مفصلية في هذا السياق، إذ رافقتها حملات إعلامية وسياسية وأمنية واسعة داخل عدد من دول المنطقة.
وقال إن البحرين كانت من بين الدول التي تأثرت بهذه الأجواء، حيث جرى توسيع دائرة الشبهات والملاحقات بحق أشخاص ومؤسسات بسبب مواقفهم من الحرب أو تضامنهم مع إيران أو رفضهم للعدوان عليها.
وأضاف أن هذا المناخ ساهم في خلق حالة من القلق داخل المجتمع، وأدى إلى تراجع مساحات التعبير الحر، خصوصاً في الملفات المرتبطة بالسياسة الإقليمية والعلاقات الدولية.
وانتقد الشايب ما وصفه بالتراجع الواضح في مستوى الاهتمام الدولي بالملف الحقوقي البحريني، معتبراً أن كثيراً من الانتهاكات الجارية لا تحظى بالمتابعة المطلوبة من المؤسسات الدولية.
وقال إن استمرار هذا الصمت يشجع على المزيد من الإجراءات القمعية، ويبعث برسالة سلبية إلى الضحايا وعائلاتهم، مفادها أن الاعتبارات السياسية والمصالح الدولية أصبحت تتقدم على مبادئ حقوق الإنسان والحريات الأساسية.
وأضاف أن المنظمات الحقوقية الدولية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بإعادة تسليط الضوء على ما يجري في البحرين، خصوصاً في ظل اتساع دائرة الملاحقات واستمرار التضييق على الحريات الدينية والسياسية.
وشدد على أن معالجة التحديات الداخلية تستوجب فتح المجال أمام الحوار الوطني الشامل، وإطلاق سراح معتقلي الرأي، ووقف سياسات التمييز والإقصاء، واحترام حرية العمل الديني والسياسي والمدني.
وبيّن أن المجتمعات لا تُدار بالقوة ولا تستقر عبر القمع، بل عبر العدالة والمشاركة واحترام إرادة المواطنين، محذراً من أن استمرار النهج الحالي سيؤدي إلى تعميق الأزمات القائمة بدل معالجتها، ويزيد من حالة الاحتقان السياسي والاجتماعي التي تعيشها البلاد.
وختم الشايب حديثه بالتأكيد أن مستقبل البحرين لا يمكن أن يُبنى على المعالجات الأمنية وحدها، وأن الاستقرار الحقيقي يتطلب إطلاق مسار إصلاحي جاد يعالج جذور الأزمة السياسية ويعيد الاعتبار للشراكة الوطنية واحترام الحقوق والحريات.