وفي حديثٍ لموقع "
إسلام تايمز"، رأى هوبكنسون أن الحرب انتهت بنتائج مغايرة لما خططت له الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي، إذ تراجعت أهدافها من إسقاط النظام الإيراني وإنهاء محور المقاومة إلى مجرد احتواء التصعيد وتقليص بعض القدرات العسكرية، الأمر الذي عدّه دليلاً على فشل استراتيجي في تحقيق الأهداف المعلنة، مشيراً إلى أن الحرب كرّست معادلات جديدة سيكون لها أثر عميق في مستقبل المنطقة، وفي مقدمتها ترسيخ مفهوم "وحدة الساحات" وتعزيز مكانة القضية الفلسطينية في الوعي الإقليمي والدولي.
تراجع أهداف الحرب دليل على الإخفاق الاستراتيجي
ورداً على سؤال حول أسباب انتقال الخطاب الأميركي والإسرائيلي من الدعوة إلى إسقاط النظام الإيراني إلى الحديث عن أهداف أكثر محدودية، قال هوبكنسون إن هذا التحول يمثل في حد ذاته أحد أهم مؤشرات الفشل السياسي والعسكري.
وأوضح أن الإدارة الأميركية والقيادة الإسرائيلية بدأتا الحرب بخطاب مرتفع السقف، تضمن الحديث صراحة عن إسقاط النظام الإيراني، وإنهاء البرنامج الصاروخي، وتفكيك محور المقاومة، إلا أن هذا الخطاب تبدل تدريجياً مع استمرار العمليات العسكرية، ليقتصر الحديث لاحقاً على احتواء التصعيد أو إضعاف بعض القدرات الإيرانية.
وأضاف أن هذا التراجع في الأهداف ليس أمراً شكلياً، بل يحمل دلالات استراتيجية معروفة في العلوم السياسية والعسكرية، إذ إن تغيير أهداف الحرب أثناء سيرها يعني غالباً أن الأهداف الأصلية أصبحت غير قابلة للتحقيق.
وأشار إلى أن إيران تكبدت بالفعل خسائر كبيرة، سواء على مستوى القيادات أو بعض البنى العسكرية، إلا أن ذلك لم يؤد إلى انهيار الدولة أو شلل مؤسساتها، بل استمرت أجهزة الدولة في أداء وظائفها، واستمر الإنتاج العسكري، وبقيت مؤسسات الحكم متماسكة، وهو ما يجعل من الصعب وصف ما حدث بأنه انتصار استراتيجي للطرف الذي بدأ الحرب.
مؤسسات الدولة الإيرانية كانت أساس الصمود
وعن أبرز أسباب قدرة إيران على الصمود، أكد هوبكنسون أن الجمهورية الإسلامية تمتلك مؤسسات راسخة لا تعتمد على شخص واحد أو مركز قرار واحد، وهو ما منحها قدرة كبيرة على امتصاص آثار الحرب.
وأوضح أن الوزارات، والقوات المسلحة، والحرس الثوري، والسلطة القضائية، والأجهزة الإدارية واصلت عملها بصورة طبيعية رغم حجم الضغوط العسكرية، وهو ما حافظ على استمرارية مؤسسات الدولة ومنع حدوث فراغ سياسي أو إداري.
وأضاف أن العقوبات الاقتصادية الممتدة منذ عقود لعبت، بصورة غير مباشرة، دوراً في تعزيز قدرة الاقتصاد الإيراني على التكيف مع الظروف الاستثنائية، إذ اضطرت إيران طوال سنوات إلى تطوير آليات للاعتماد على الذات وتقليل مستوى الاعتماد على الخارج، وهو ما خفف من تأثير الضغوط التي فرضتها الحرب.
ورأى أن الحرب أسهمت أيضاً في تعزيز التماسك الداخلي، لأن المجتمعات التي تواجه تهديداً خارجياً تميل غالباً إلى الالتفاف حول مؤسساتها الوطنية، وهو ما حدث داخل إيران خلال فترة المواجهة.
التفوق العسكري لا يضمن الانتصار السياسي
وحول ما كشفته الحرب بشأن الولايات المتحدة و"إسرائيل"، قال هوبكنسون إن أهم استنتاج يمكن استخلاصه هو أن امتلاك أحدث منظومات التسليح لا يعني بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية.
وأوضح أن الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي امتلكا تفوقاً عسكرياً وتقنياً واضحاً، إلا أن هذا التفوق لم يكن كافياً لفرض الشروط التي أُعلنت عند انطلاق الحرب.
وأضاف أن ميزان الردع في الشرق الأوسط لم يعد قائماً على التكنولوجيا العسكرية وحدها، وإنما بات يعتمد أيضاً على قدرة الطرف الآخر على الصمود والاستمرار وتحمل كلفة المواجهة.
وأشار إلى أن صناع القرار في واشنطن وتل أبيب أخطأوا عندما افترضوا أن الضربات العسكرية المكثفة ستؤدي تلقائياً إلى انهيار النظام الإيراني أو تفكيك محور المقاومة، لافتاً إلى أن مجريات الحرب أثبتت عكس ذلك.
محور المقاومة خرج أكثر تماسكاً
ورداً على سؤال بشأن نتائج الحرب على محور المقاومة، أكد هوبكنسون أن أحد الأهداف الأساسية للعملية العسكرية كان القضاء على هذا المحور أو إضعافه بصورة جذرية، إلا أن النتائج جاءت مختلفة.
وأوضح أن قوى المحور تعرضت لخسائر بشرية وعسكرية، لكنها تمكنت من الحفاظ على بنيتها الأساسية، واستمرت آليات التنسيق والتواصل بين مكوناته المختلفة.
وأضاف أن الحرب كشفت أن العلاقة بين أطراف محور المقاومة ليست مجرد تحالف سياسي مؤقت، وإنما شبكة متكاملة من التعاون العسكري والسياسي والأمني تطورت عبر سنوات طويلة، وهو ما منحها قدرة أكبر على الاستمرار رغم الضغوط.
إسناد حزب الله لفلسطين غيّر الحسابات الإسرائيلية
وتطرق هوبكنسون إلى قرار حزب الله فتح جبهة الإسناد لفلسطين منذ الأيام الأولى للعدوان على غزة شكّل أحد أبرز التحولات العسكرية والسياسية في الحرب رغم ما تكبده الحزب من خسائر إلا أن هذا القرار أجبر "إسرائيل" على إعادة توزيع قواتها بصورة واسعة، بعدما اضطرت إلى نشر عشرات الآلاف من الجنود على الحدود الشمالية، وإخلاء عدد كبير من المستوطنات، وتحويل جزء مهم من قدراتها الدفاعية والعسكرية بعيداً عن قطاع غزة.
وأضاف أن هذا الإسناد لم يقتصر على الجانب العسكري، بل حمل أبعاداً سياسية ومعنوية كبيرة، إذ أوصل رسالة واضحة إلى الفلسطينيين بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة الاحتلال، وأن قضيتهم ما تزال تحظى بإسناد فعلي من قوى مؤثرة في المنطقة.
ورأى أن حزب الله نجح، من خلال هذه المعادلة، في إعادة تثبيت فلسطين بوصفها القضية المركزية في الشرق الأوسط، بعد سنوات من المحاولات الرامية إلى تهميشها أو تجاوزها عبر مشاريع التطبيع.
لبنان لم يشهد التحول السياسي الذي أرادته إسرائيل
وفي ما يتعلق بلبنان، قال هوبكنسون إنه لا يعتقد أن "إسرائيل" نجحت في فرض واقع سياسي جديد كما كانت تخطط. وأوضح أن لبنان دفع أثماناً إنسانية واقتصادية باهظة نتيجة الحرب، إلا أن هذه الخسائر لم تؤد إلى تغيير جوهري في التوازنات السياسية الداخلية بما يحقق الأهداف الإسرائيلية.
وأضاف أن مستقبل لبنان سيبقى مرتبطاً بقدرته على إعادة الإعمار واستعادة الاستقرار الاقتصادي، إلى جانب الحفاظ على تماسكه الداخلي، أكثر مما يرتبط بالنتائج العسكرية المباشرة للحرب.
مضيق هرمز بقي ورقة الردع الأهم
وحول أهمية مضيق هرمز خلال المواجهة، أكد هوبكنسون أن هذا المضيق مثّل أحد أهم عناصر القوة والردع الإيرانية طوال فترة الحرب.
وأوضح أن مجرد احتمال تعطل الملاحة فيه كان كفيلاً بإثارة حالة من القلق في الأسواق العالمية، ورفع أسعار النفط والطاقة بصورة حادة، وهو ما دفع المجتمع الدولي إلى تكثيف جهوده لمنع توسع الحرب.
وأضاف أن أمن الطاقة العالمي أصبح اليوم جزءاً أساسياً من الحسابات السياسية والعسكرية في أي مواجهة تتعلق بإيران، الأمر الذي يمنح طهران ثقلاً إضافياً في معادلات الردع الإقليمي.
التشييع المهيب للإمام الخامنئي عكس عمق الحضور الشعبي للمشروع المقاوم
وتطرق هوبكنسون إلى مشهد التشييع المهيب للإمام السيد علي الخامنئي، معتبراً أن الحشود الواسعة التي شاركت في مراسم التشييع حملت دلالات سياسية وشعبية تتجاوز البعد البروتوكولي للحدث، إذ عكست، بحسب رأيه، مستوى الارتباط بين شريحة واسعة من الإيرانيين ومؤسسات الدولة والقيادة السياسية والدينية في البلاد.
وأوضح أن حجم المشاركة الشعبية في التشييع وجّه رسالة إلى الأطراف التي راهنت على أن الحرب ستؤدي إلى انهيار داخلي أو فقدان الشرعية، مشيراً إلى أن المشهد أظهر أن المواجهة العسكرية لم تؤدِ إلى تفكك البنية الاجتماعية والسياسية الإيرانية، بل ساهمت في تعزيز حالة الالتفاف حول الدولة في مواجهة الضغوط الخارجية.
وأضاف هوبكنسون أن الرمزية التي حملها التشييع لا ترتبط بشخصية الإمام الخامنئي فقط، وإنما بالمسار السياسي الذي مثله على مدى عقود، والذي قام، وفق تعبيره، على رفض الهيمنة الخارجية ودعم القضية الفلسطينية وتعزيز علاقات إيران مع حلفائها في المنطقة.
ورأى أن هذا المشهد يعكس أن الرهان على تغيير المعادلات في المنطقة عبر القوة العسكرية وحدها يواجه تحديات كبيرة، لأن المعادلات السياسية لا تُبنى فقط على القدرات العسكرية، بل أيضاً على عمق الحاضنة الشعبية والقدرة على الصمود أمام الأزمات الكبرى.
المنطقة دخلت مرحلة جديدة... وفلسطين عادت إلى مركز المشهد
وفي ختام حديثه، أكد هوبكنسون أن الشرق الأوسط دخل بالفعل مرحلة سياسية وأمنية جديدة بعد هذه الحرب، معتبراً أن المنطقة لن تعود إلى ما كانت عليه قبل اندلاعها.
وقال إن الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي سيحاولان خلال المرحلة المقبلة إعادة بناء منظومة الردع الخاصة بهما، في حين ستسعى إيران ومحور المقاومة إلى استثمار ما يعتبرانه مكاسب استراتيجية تحققت خلال الحرب.
وتوقع أن تشهد السنوات المقبلة مزيجاً من فترات التهدئة المؤقتة والتنافس الحاد، مع بقاء احتمالات اندلاع مواجهات جديدة قائمة، طالما بقيت القضية الفلسطينية من دون حل عادل.
وختم بالتأكيد أن أي تسوية سياسية في الشرق الأوسط لن تكون مستقرة أو قابلة للحياة إذا تجاهلت الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، معتبراً أن الحرب الأخيرة أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي، ورسخت قناعة متزايدة بأن أمن المنطقة واستقرارها لا يمكن فصلهما عن إنهاء الاحتلال وتحقيق العدالة للشعب الفلسطيني.