0
الاثنين 20 تموز 2026 ساعة 09:11

نزار نزال لإسلام تايمز: العدوان على إيران أسقط رهان إسقاط النظام ونقل الصراع إلى معادلات الجغرافيا والطاقة

نزار نزال لإسلام تايمز: العدوان على إيران أسقط رهان إسقاط النظام ونقل الصراع إلى معادلات الجغرافيا والطاقة
يرى الخبير في الشؤون الصهيونية نزار نزال أن الحرب الأخيرة لم تكن معركة محدودة تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني أو بملفات تقنية، وإنما جاءت كمحاولة لإعادة صياغة النظام الإقليمي عبر إسقاط الجمهورية الإسلامية وتفكيك منظومة الردع التي بنتها خلال العقود الماضية. إلا أن نتائج المواجهة أثبتت، أن المشروع الأميركي – الإسرائيلي اصطدم بواقع مختلف تمامًا عما رسمته التقديرات الاستخبارية والسياسية قبل اندلاع الحرب.

وفي حديث لموقع "إسلام تايمز"، يؤكد نزال أن الهدف المركزي للعدوان كان إسقاط النظام السياسي في إيران، باعتباره المدخل الضروري لإعادة تشكيل المنطقة وإطلاق مشروع الهيمنة الإسرائيلية بصورة كاملة. لكن بعد أسابيع من القتال، تراجع الخطاب الأميركي والإسرائيلي تدريجيًا عن هذا الهدف، وانتقل إلى الحديث عن البرنامج النووي، والقدرات الصاروخية، والنفوذ الإقليمي، وهو ما يعدّ، برأيه، اعترافًا واضحًا بفشل الهدف الاستراتيجي الأول للحرب.

ويشير إلى أن هذا التحول في سقف الأهداف يحمل دلالة سياسية وعسكرية بالغة، إذ إن القوى التي تبدأ حربًا بهدف تغيير النظام ثم تنهيها بالبحث عن ترتيبات أمنية وتقنية، تكون قد فقدت القدرة على فرض إرادتها الاستراتيجية، واضطرت إلى التراجع نحو أهداف أقل طموحًا وأكثر واقعية.

ويعتبر نزال أن أحد أبرز الأخطاء التي وقعت فيها واشنطن و"تل أبيب" تمثل في الاعتماد على تقديرات استخبارية افترضت أن الدولة الإيرانية لن تصمد سوى أيام قليلة، وأن الضربات الأولى ستقود إلى انهيار المؤسسة العسكرية وتفكك الجبهة الداخلية. غير أن مجريات الحرب أثبتت أن هذه التقديرات كانت بعيدة عن الواقع، وأن إيران نجحت في الحفاظ على تماسك مؤسساتها، واستمرار منظوماتها العسكرية، ومواصلة عملياتها الصاروخية حتى المراحل الأخيرة من المواجهة.

ويرى أن صناع القرار في الولايات المتحدة اكتشفوا خلال الحرب أن المعلومات التي بُنيت عليها خطط العمليات لم تكن دقيقة، وأن جزءًا كبيرًا من التصورات التي قدمتها المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لم ينسجم مع الوقائع الميدانية، الأمر الذي انعكس على مسار العمليات وعلى القرار الأميركي بوقف التصعيد وعدم الذهاب إلى حرب مفتوحة طويلة الأمد.

ويؤكد نزال أن أهم ما حققته إيران خلال المواجهة هو نجاحها في نقل الصراع من ميدان المواجهة العسكرية المباشرة إلى فضاء الجغرافيا السياسية والاقتصاد العالمي. فبدل أن تبقى الحرب محصورة في تبادل الضربات العسكرية، أصبحت مرتبطة بأمن الطاقة العالمي، وبالممرات البحرية، وبحركة التجارة الدولية، وهو ما رفع كلفة استمرار الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها.

ويضيف أن مضيق هرمز تحول إلى عنصر ردع استراتيجي لا يقل أهمية عن القدرات العسكرية التقليدية، لأن أي تهديد لحركة الملاحة فيه ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد. كما أن الحديث عن إمكانية اتساع دائرة التأثير لتشمل باب المندب جعل الحرب تتجاوز بعدها الإقليمي لتصبح قضية دولية تمس مصالح القوى الكبرى.

ويشير إلى أن إيران أدركت مبكرًا أن مواجهة التفوق العسكري الأميركي لا تكون فقط عبر الوسائل العسكرية، وإنما أيضًا عبر امتلاك القدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي، وهو ما جعل واشنطن تجد نفسها أمام معادلة مختلفة لم تكن حاضرة في حساباتها الأولية.

وفي قراءته للمشهد الإسرائيلي، يرى نزال أن حكومة بنيامين نتنياهو أخفقت في إدارة جميع الجبهات التي فتحتها خلال المرحلة الماضية. فبعد الفشل في حسم الحرب في غزة، لم تحقق أهدافها في لبنان، ولم تتمكن من إنهاء تهديدات اليمن، كما لم تستطع تقويض النفوذ الإيراني في العراق، قبل أن تصل إلى المواجهة المباشرة مع إيران دون أن تحقق النتائج التي وعدت بها الرأي العام الإسرائيلي.

ويؤكد أن استراتيجية "أنصاف الحروب" التي انتهجها الاحتلال أفضت إلى استنزاف طويل دون تحقيق إنجاز سياسي حاسم، الأمر الذي انعكس على الداخل الإسرائيلي، وفتح نقاشًا واسعًا حول جدوى استمرار هذه المقاربة العسكرية.

أما فيما يتعلق بمحور المقاومة، فيرى نزال أن الحرب الأخيرة عززت تماسكه أكثر مما أضعفته. فالمواجهة أثبتت أن الاعتداء على أي ساحة من ساحاته بات يُنظر إليه باعتباره استهدافًا للمحور بأكمله، الأمر الذي رسخ عمليًا مفهوم "وحدة الساحات" بوصفه معادلة ميدانية وسياسية، وليس مجرد شعار إعلامي أو سياسي.

ويشير إلى أن حزب الله خرج من المواجهة محتفظًا بدوره المركزي داخل معادلات الردع الإقليمية، وأن الرهان الإسرائيلي على عزله داخليًا أو دفع لبنان نحو مواجهة داخلية لم يتحقق حتى الآن، رغم الضغوط السياسية والأمنية الكبيرة التي مورست خلال الحرب وبعدها.

ويرى أن الاحتلال يحاول حاليًا نقل المواجهة من الميدان العسكري إلى الداخل اللبناني عبر الاستثمار في الانقسامات السياسية والضغوط المتعلقة بسلاح المقاومة، لكنه يعتبر أن التجربة اللبنانية منذ الحرب الأهلية تجعل غالبية القوى السياسية أكثر إدراكًا لمخاطر الانزلاق إلى صراع داخلي يخدم المشروع الإسرائيلي.

وفي هذا السياق، ينتقد نزال ما يعتبره محاولة رسمية لفصل الملف اللبناني عن التطورات الإقليمية، معتبرًا أن لبنان بحكم موقعه الجغرافي وتشابك مصالحه الأمنية لا يستطيع أن يعزل نفسه عن التحولات الكبرى الجارية في المنطقة، وأن أي مقاربة تتجاهل هذه الحقيقة ستبقى قاصرة عن حماية المصالح اللبنانية.

وعلى صعيد العلاقات الأميركية – الإيرانية، يستبعد نزال إمكانية الوصول إلى اتفاق سياسي شامل خلال المرحلة المقبلة، معتبرًا أن التناقضات بين الطرفين تتجاوز الملف النووي إلى قضايا ترتبط بالنفوذ الإقليمي، والمشروع الصاروخي، وأمن الخليج، والممرات البحرية، ومستقبل الوجود الأميركي في المنطقة.

ويرى أن أي مفاوضات مقبلة لن تكون امتدادًا للمسارات السابقة، بل ستدور حول نتائج الحرب نفسها، أي حول المعادلات التي فرضتها إيران خلال المواجهة، وليس حول الشروط التي حاولت واشنطن فرضها قبل اندلاعها.

ويضيف أن الولايات المتحدة تدرك اليوم أن طهران لن تتخلى عن الملفات التي تعتبرها جزءًا من أمنها القومي، وفي مقدمتها برنامجها الصاروخي، ودورها الإقليمي، وأوراق القوة المرتبطة بالممرات البحرية، وهو ما يجعل فرص الوصول إلى تسوية شاملة محدودة في المدى المنظور.

ويؤكد نزال أن أحد الأسباب الأساسية التي دفعت واشنطن إلى وقف الحرب يتمثل في إدراكها أن استمرارها سيؤدي إلى استنزاف طويل ومكلف، خصوصًا في ظل اتساع الجغرافيا الإيرانية، واستمرار القدرة على إنتاج الصواريخ، وتحصين المنشآت العسكرية تحت الأرض، بما يجعل القضاء عليها عسكريًا أمرًا بالغ الصعوبة.

ويشير إلى أن التجربة الإيرانية في بناء القدرات الدفاعية لم تكن مرتبطة بظرف آني، بل جاءت نتيجة تخطيط استراتيجي امتد لعقود، الأمر الذي منح إيران قدرة كبيرة على امتصاص الضربات ومواصلة القتال رغم حجم الاستهداف.

ويختم نزال بالتأكيد أن الحرب الأخيرة لم تغلق باب المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، بل دشنت مرحلة جديدة من الصراع تقوم على توازنات مختلفة كليًا عن تلك التي سبقتها. فبدل أن تفاوض واشنطن على شروطها، أصبحت مضطرة للتعامل مع وقائع فرضتها نتائج الحرب، وهو ما يعني أن المنطقة تتجه نحو نظام إقليمي جديد ستتشكل معالمه وفق موازين القوة التي أفرزتها هذه المواجهة، لا وفق التصورات التي سبقتها.
رقم : 1293521
شارک بتعلیقک
الإسم الثلاثي

البريد الإلكتروني
تعليقك

أهم الأخبار
إخترنا لکم