في الحروب التقليدية، كان الليل يمثل ملاذاً للقوات العسكرية، يوفر لها فرصة إعادة التموضع والاختفاء عن أعين العدو.
ولكن منذ حرب الخليج عام 1991، أعادت الولايات المتحدة تعريف مفهوم "القتال الليلي"، حتى باتت تعتبر الظلام عنصرا يمنحها تفوقا عملياتيا، وليس عائقا أمام قواتها.
واليوم، كلما تصاعدت المواجهة مع إيران، يتكرر المشهد نفسه، معظم الضربات الجوية الاميركية تُنفذ بعد حلول الظلام، بينما تتجه إيران ايضا إلى إطلاق القسم الأكبر من صواريخها وطائراتها المسيّرة خلال ساعات الليل.
خبراء عسكريون وفي حديث لـ"اسلام نيوز"، أكدوا ان الليل لم يعد مجرد توقيت للعمليات، بل جزءا من العقيدة العسكرية لكل من طهران وواشنطن.
ويستشهد الخبراء في حديثهم بعملية "عاصفة الصحراء"، مشيرين الى ان الولايات المتحدة نفذت حينها معظم موجات القصف الأولى ليلًا باستخدام الطائرات الشبحية، مستفيدة من تقنيات التخفي والرؤية الليلية والقنابل الموجهة بالليزر، ما أدى إلى شل مراكز القيادة العراقية والدفاعات الجوية خلال الساعات الأولى للحرب.
كما ان السيناريو نفسه تكرر في كوسوفو عام 1999، ثم في أفغانستان عام 2001، وبعدها في العراق عام 2003، حيث اعتمدت واشنطن على الضربات الليلية المكثفة لإرباك القيادة العسكرية قبل بدء أي عمليات برية واسعة.
واليوم تحاول اميركا استخدام نفس الاستراتيجية مع طهران، بعدما استثمرت الولايات المتحدة مليارات الدولارات في تطوير مفهوم "القتال الليلي"، حتى أصبحت معظم قواتها البرية والجوية والبحرية.
الحرارة تتحول إلى دليل استخباراتي
ويرى كثير من المحللين أن الولايات المتحدة لا تختار الليل لأنه يخفي قواتها، وإنما لأنه يكشف خصومها.
فالطائرات الشبحية الأمريكية، مثل B-2 Spirit وF-35 Lightning II، لا تعتمد على الرؤية البشرية، بل على منظومات متطورة من الرادارات السلبية وأجهزة التصوير الحراري والأشعة تحت الحمراء، إضافة إلى بيانات الأقمار الصناعية وطائرات الإنذار المبكر والطائرات المسيّرة.
وفي المقابل، تتحول المعدات العسكرية الموجودة على الأرض إلى مصادر إشعاع حراري واضحة، فكل محرك يعمل، وكل مولد كهربائي، وكل منصة صواريخ، وكل عربة مدرعة تصدر حرارة تلتقطها المستشعرات الاميركية بسهولة، خصوصا مع انخفاض حرارة البيئة المحيطة ليلا، وبذلك يصبح الظلام الذي يفترض أن يحجب الأهداف سببا في كشفها.
ولهذا، فإن أي هدف يتم اكتشافه بواسطة قمر صناعي يمكن أن تُنقل إحداثياته خلال ثوان إلى مقاتلة أو مدمرة أو بطارية صواريخ بعيدة المدى، لتنفذ الضربة بسرعة كبيرة.
وهذا ما يُعرف في العلوم العسكرية بـ"الحرب الشبكية"، حيث تتحول المعلومات إلى سلاح لا يقل أهمية عن الصواريخ نفسها.
البعد النفسي... حين يتحول الليل إلى أداة ضغط
الضربات الليلية تحقق هدفا آخر لا يقل أهمية عن التدمير العسكري، فالاستيقاظ على أصوات الانفجارات، وانقطاع الاتصالات، وتعطل الكهرباء، وصدور الإنذارات بشكل مفاجئ، كلها عوامل تُحدث ضغطًا نفسيا هائلا على العسكريين والمدنيين معا.
كما أن القيادة العسكرية تجد نفسها مضطرة لاتخاذ قرارات مصيرية خلال دقائق، وفي ظروف يسودها الغموض، بينما تكون وسائل الاستطلاع الاميركية تراقب أي حركة على الأرض.
كيف تنظر إيران إلى المعركة ليلا؟
إذا كانت الولايات المتحدة تستغل الليل بسبب تفوقها التكنولوجي، فإن إيران تستفيد منه لأسباب مختلفة، وهذا ما شرحه لنا الخبراء، موضحين ان الصواريخ والطائرات المسيّرة تكون أقل عرضة للرصد البصري، بينما يحتاج المدافع إلى وقت أطول لتحديد طبيعة التهديد ومساره، خصوصا عندما تُطلق أعداد كبيرة من الأهداف في توقيت متزامن.
كما أن إيران تعتمد على مبدأ "تشتيت الدفاعات"، عبر محاولة إرهاق أنظمة الاعتراض وإجبارها على التعامل مع تهديدات متعددة في وقت واحد.
وترتكز هذه العقيدة على استخدام الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة، إلى جانب توزيع القدرات العسكرية وعدم تركيزها في مواقع ثابتة، والسعي إلى استهداف مراكز الدعم اللوجستي والقيادة والقواعد العسكرية التي تُستخدم لإسناد العمليات الأمريكية في المنطقة.
وتحاول إيران توظيف ساعات الليل لتحقيق عنصر المفاجأة في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، مستفيدة من محدودية الرصد البصري وتقليص الزمن المتاح أمام الخصم لاتخاذ القرار.
واذا كانت الولايات المتحدة توظف الليل باعتباره امتدادا لتفوقها التكنولوجي، مستندة إلى منظومات الاستشعار والتخفي والقيادة الشبكية، فإن طهران تحاول استثمار الظلام لتحقيق المباغتة وإرسال رسائل ردع وتوسيع نطاق الضغط على خصومها اضافة الى رفع كلفة أي مواجهة من خلال توسيع نطاق استهدافاتها وإظهار قدرتها على الرد.