هذه الاسئلة تُطرح اليوم بعد ما تشهده المنطقة من تحولات، وفي قلب هذا التحول، يقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مواجهة متصاعدة مع عدد من المؤسسات الدولية، من المحكمة الجنائية الدولية إلى بعض هيئات الأمم المتحدة، في مسار يرى منتقدوه أنه لا يقتصر على رفض قرارات بعينها، بل يمتد إلى تقليص قدرة هذه المؤسسات على ممارسة دورها الرقابي والقانوني عندما تتعارض قراراتها مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
فالموقف الأمريكي الرافض لأي محاولة لتوقيف نتنياهو خلال زيارته إلى الولايات المتحدة، رغم الجدل المرتبط بمذكرة المحكمة الجنائية الدولية، لم يكن مجرد إجراء أمني لحماية رئيس حكومة حليف، بل حمل رسالة سياسية أوسع مفادها أن واشنطن لن تسمح لمؤسسة دولية بأن تفرض إيقاعها على قراراتها السيادية أو على حلفائها الاستراتيجيين.
هذه ليست الواقعة الأولى، فمنذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، اتجهت السياسة الأمريكية بصورة أكثر وضوحاً نحو إعادة تعريف العلاقة مع المؤسسات متعددة الأطراف، انطلاقاً من رؤية تعتبر أن هذه المؤسسات أصبحت، في بعض الملفات، تتجاوز اختصاصاتها أو تعرقل حرية القرار الأمريكي.
أما حكومة نتنياهو، فترى أن بعض الهيئات الدولية، وفي مقدمتها المحكمة الجنائية الدولية، تتعامل مع إسرائيل بصورة منحازة، وتستخدم القانون الدولي أداة للضغط السياسي.
لكن بغض النظر عن وجاهة هذه المبررات أو رفضها، فإن النتيجة العملية واحدة تآكل تدريجي في مكانة المؤسسات الدولية.
وفي حديثه لـ"
إسلام تايمز"، أكد الخبير في الشأن الأميركي الدكتور مهدي عفيفي أن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب رفضه أي محاولة لاعتقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو داخل الولايات المتحدة يعكس، في المقام الأول، طبيعة العلاقة السياسية الوثيقة بين الرجلين، معتبراً أن هذا الموقف ينسجم مع توجهات الإدارة الأميركية الحالية في توفير الحماية لضيف رسمي يزور الأراضي الأميركية.
وأوضح عفيفي لـ”
إسلام تايمز”، أن موقف ترامب يحمل بعداً سياسياً واضحاً، لافتاً إلى أن الرئيس الأميركي يملك، بحكم موقعه، صلاحيات الإشراف على المنظومة الأمنية الفيدرالية المكلفة بحماية كبار المسؤولين والضيوف الرسميين.
وأضاف أن مسؤولية حماية رؤساء الدول ورؤساء الحكومات الزائرين للولايات المتحدة تقع على عاتق جهاز الخدمة السرية الأميركي (U.S. Secret Service)، بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية الفيدرالية والمحلية، وهي الجهة المختصة بتأمين الرئيس الأميركي ونائبه وكبار المسؤولين والوفود الرسمية الأجنبية.
وأشار إلى أن الجدل الذي أثير بشأن إمكانية قيام سلطات مدينة نيويورك باعتقال نتنياهو استناداً إلى مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، انتهى عملياً بعد مراجعات قانونية أجراها المستشارون القانونيون المحيطون بعمدة مدينة نيويورك، حيث تبين – بحسب عفيفي – أنه لا توجد صلاحية قانونية حقيقية تخول سلطات المدينة تنفيذ مثل هذا الإجراء بحق ضيف رسمي للولايات المتحدة.
وبيّن أن نتنياهو، في حال حضوره اجتماعات الأمم المتحدة، سيكون موجوداً بصفته ضيفاً رسمياً للولايات المتحدة ومشاركاً في أعمال المنظمة الدولية، وهو ما يضعه ضمن إطار أمني وقانوني خاص، حتى وإن شاركت شرطة مدينة نيويورك في تنفيذ الإجراءات الأمنية الخاصة بالزيارة.
وأكد عفيفي أن استضافة الأمم المتحدة لقادة الدول تفرض على الولايات المتحدة، بصفتها الدولة المضيفة، توفير الحماية الأمنية اللازمة لهم، بغض النظر عن طبيعة العلاقات السياسية مع بلدانهم، مشيراً إلى أن هذه الترتيبات سبق أن شملت رؤساء ومسؤولين من دول على خلاف مع واشنطن، بمن فيهم مسؤولون إيرانيون شاركوا في اجتماعات الأمم المتحدة.
ولفت إلى أن إثارة مسألة مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق نتنياهو دفعت إلى التساؤل حول إمكانية تنفيذها داخل الولايات المتحدة، إلا أن تعقيدات الوضع القانوني والسياسي، إضافة إلى طبيعة الزيارة، تجعل هذا الاحتمال غير قائم من الناحية العملية.
وعلى المستوى الأمني، استبعد عفيفي أن تتسبب زيارة نتنياهو في أزمة أمنية أو سياسية داخل مدينة نيويورك، مؤكداً أن المدينة تمتلك واحدة من أكبر وأقوى المؤسسات الأمنية في الولايات المتحدة، وربما في العالم، وقد اعتادت خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة على تأمين عشرات، بل أحياناً أكثر من مئتي رئيس دولة ورئيس حكومة ومسؤول رفيع المستوى في توقيت متزامن.
وأضاف أن شرطة نيويورك تمتلك إمكانات أمنية ولوجستية ضخمة، وتعمل بصورة دائمة بالتنسيق مع جهاز الخدمة السرية الأميركية والمكتب الفيدرالي للتحقيقات (FBI)، فضلاً عن فرق الحماية الخاصة المرافقة لكل رئيس أو وفد رسمي، وهو ما يجعل المنظومة الأمنية قادرة على التعامل مع أي تحديات محتملة.
وفي ما يتعلق بالمظاهرات المتوقعة، أوضح عفيفي أن نيويورك اعتادت على تنظيم وتأمين الاحتجاجات المؤيدة والمعارضة التي ترافق اجتماعات الأمم المتحدة، حيث تتظاهر جاليات ومنظمات مختلفة تأييداً أو اعتراضاً على عدد من القادة المشاركين، مؤكداً أن الأجهزة الأمنية تمتلك خبرة واسعة في إدارة هذه التظاهرات مع الحفاظ على أمن الشخصيات الرسمية.
وفي السياق السياسي، رأى عفيفي أن هناك توافقاً واضحاً بين إدارة ترامب وحكومة نتنياهو في التعامل مع المؤسسات الدولية، معتبراً أن الطرفين يسعيان إلى تقليص نفوذ هذه المؤسسات والتشكيك في صلاحياتها وفاعليتها، سواء تعلق الأمر بالأمم المتحدة أو المحكمة الجنائية الدولية أو غيرهما من الهيئات الدولية.
وأضاف أن ما يجري، من وجهة نظره، لا يقتصر على خلاف بين إسرائيل والمحكمة الجنائية الدولية، بل يعكس تنسيقاً سياسياً أوسع بين واشنطن وتل أبيب للضغط على المؤسسات الدولية والحد من قدرتها على التأثير في القرارات السياسية أو محاسبة الدول.
وأشار إلى أن هذا النهج سبق أن ظهر في التعاطي مع وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، من خلال الانتقادات الواسعة التي تعرضت لها الوكالة والتشكيك في دورها، معتبراً أن إسرائيل تسعى إلى إضعاف كل مؤسسة، سواء كانت إنسانية أو قانونية أو إعلامية أو حقوقية، ترى أنها تشكل عائقاً أمام سياساتها.
كما أشار إلى أن الحرب في غزة شهدت مقتل أعداد كبيرة من الصحفيين، وهو ما أثار انتقادات من منظمات دولية معنية بحرية الصحافة وحقوق الإنسان، معتبراً أن هذا الأمر يندرج ضمن سياق أوسع يتعلق بالتعامل مع المؤسسات والجهات التي توجه انتقادات للسياسات الإسرائيلية.
وختم عفيفي بالقول إن المشهد الدولي يشهد تراجعاً في تأثير المؤسسات متعددة الأطراف، في مقابل اعتماد الولايات المتحدة وإسرائيل بصورة متزايدة على موازين القوة والنفوذ السياسي، الأمر الذي يجعل، بحسب تقديره، قدرة المؤسسات الدولية على فرض قراراتها أو مساءلة القوى الكبرى أكثر محدودية من أي وقت مضى.