0
الخميس 30 تموز 2026 ساعة 12:34

محمد دلبح لـ"إسلام تايمز": إسرائيل حولت الولايات المتحدة من صانعة قرار إلى أداة بيدها

محمد دلبح لـ"إسلام تايمز": إسرائيل حولت الولايات المتحدة من صانعة قرار إلى أداة بيدها
فمنذ اندلاع الحرب على قطاع غزة، مرورًا بالتصعيد مع إيران واتساع دائرة الاشتباك الإقليمي، تحولت العاصمة الأميركية إلى مركز أساسي للتحرك الإسرائيلي، حيث سعى رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو إلى ضمان استمرار الإسناد الأميركي، ليس فقط لتوفير الأسلحة والذخائر، بل لتأمين غطاء سياسي ودبلوماسي يسمح لإسرائيل بمواصلة عملياتها العسكرية وتجاوز الضغوط الدولية المتزايدة.

في المقابل، أظهرت الحرب حجم الاعتماد الإسرائيلي على الولايات المتحدة، سواء على مستوى منظومات الدفاع الجوي، أو الذخائر، أو المعلومات الاستخباراتية، أو الحماية السياسية في المؤسسات الدولية، ما أعاد طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة هذا التحالف، ومن يخدم الآخر، وما إذا كانت إسرائيل تقود السياسة الأميركية في المنطقة أم أن واشنطن تستخدم إسرائيل كأداة لتحقيق أهدافها الجيوسياسية.

حول هذه الملفات، تحدث الباحث والكاتب الفلسطيني محمد دلبح في مقابلة مع موقع "إسلام تايمز"، حيث قدم قراءة واسعة لطبيعة العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية، ودور نتنياهو في إدارة الحرب، وتأثير اللوبي الإسرائيلي في واشنطن، ومستقبل النفوذ الأميركي في المنطقة.

التحالف الأميركي ـ الإسرائيلي.. من علاقة دعم إلى شراكة استراتيجية
يرى محمد دلبح أن العلاقة بين واشنطن وتل أبيب تجاوزت منذ زمن طويل مفهوم "الدعم الأميركي لإسرائيل"، وأصبحت أقرب إلى شراكة استراتيجية قائمة على تبادل الأدوار والمصالح وأن إسرائيل بالنسبة للولايات المتحدة ليست مجرد حليف عسكري في الشرق الأوسط، بل تمثل قاعدة متقدمة لنفوذها السياسي والعسكري في منطقة ذات أهمية استراتيجية كبرى بسبب موقعها الجغرافي ومواردها ومسارات الطاقة والتجارة الدولية".

ويضيف أن الولايات المتحدة ترى في الحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي جزءًا من قدرتها على التأثير في المنطقة، بينما تعتمد إسرائيل على المظلة الأميركية لتأمين قدرتها على خوض صراعات طويلة، خصوصًا عندما تتجاوز المواجهة حدود حرب قصيرة إلى صراع إقليمي واسع.

ويشير إلى أن السنوات الأخيرة كشفت أن إسرائيل، رغم امتلاكها ترسانة عسكرية ضخمة وتكنولوجيا متقدمة، لا تستطيع إدارة حرب كبرى بمعزل عن الدعم الأميركي، سواء بسبب حجم الاستهلاك العسكري أو بسبب الحاجة إلى الغطاء السياسي الدولي.

نتنياهو وواشنطن.. إدارة الأزمة وليس فقط طلب الدعم
وحول زيارات بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة، يؤكد دلبح أن هذه الزيارات يجب قراءتها ضمن سياق سياسي أوسع من مجرد لقاءات بين رئيس حكومة الاحتلال والمسؤولين الأميركيين ويقول إن نتنياهو كان يذهب إلى واشنطن في لحظات حساسة بهدف تثبيت العلاقة مع الإدارة الأميركية، وإرسال رسائل إلى الداخل الإسرائيلي والخارج بأن إسرائيل ما زالت تمتلك دعم القوة العالمية الأكبر.

ويضيف: "نتنياهو لم يكن يبحث فقط عن شحنات أسلحة، بل كان يبحث عن شرعية سياسية لاستمرار الحرب، وعن حماية من الضغوط الدولية، وعن تأكيد أن أي ترتيبات مستقبلية في المنطقة لن تتم من دون أخذ المصالح الإسرائيلية بعين الاعتبار وأن رئيس حكومة الاحتلال استخدم العلاقة مع واشنطن أيضًا في إطار صراعاته الداخلية، خصوصًا في ظل الانتقادات التي واجهها بسبب إدارة الحرب والأزمات السياسية داخل إسرائيل وأن صورة نتنياهو كرجل "العلاقة الخاصة" مع الولايات المتحدة كانت دائمًا جزءًا من رصيده السياسي، لذلك حرص على إظهار قربه من الإدارات الأميركية المتعاقبة.

الدعم العسكري الأميركي.. كشف نقاط الضعف الإسرائيلية
وعن طبيعة الدعم الأميركي لإسرائيل، يوضح دلبح أن المساعدات الأميركية لا يمكن اختزالها في أرقام أو صفقات سلاح، لأنها تمثل منظومة متكاملة تشمل التكنولوجيا العسكرية، والذخائر، وأنظمة الدفاع، والمعلومات الاستخباراتية.

 ويقول إن الحروب الحديثة تعتمد على القدرة على الاستمرار، وليس فقط على امتلاك القوة في بداية المعركة، ولذلك فإن تدفق الإمدادات يصبح عاملًا حاسمًا إذ أن الحرب الأخيرة أظهرت أن المخزون العسكري الإسرائيلي ليس بلا حدود، وأن إسرائيل تحتاج إلى الولايات المتحدة لتعويض النقص في بعض أنواع الذخائر والصواريخ الاعتراضية والمنظومات الدفاعية و أن هذا الاعتماد يطرح سؤالًا أساسيًا حول مفهوم "الاستقلال العسكري الإسرائيلي"، إذ إن إسرائيل لطالما قدمت نفسها كقوة قادرة على الدفاع عن نفسها، لكن الوقائع أظهرت ارتباطًا كبيرًا بالدعم الأميركي.

المجمع الصناعي العسكري.. عندما تصبح الحرب اقتصادًا
وفي الجانب الاقتصادي، يتحدث دلبح عن الدور الذي تلعبه شركات الصناعات العسكرية في التأثير على مسار السياسة الأميركية ويشدد على أن  الولايات المتحدة تمتلك واحدًا من أكبر مجمعات الصناعات الدفاعية في العالم، وإن ارتفاع مستوى التوترات والحروب يؤدي بصورة مباشرة إلى زيادة العقود العسكرية.

ويشير إلى  أن الشركات الكبرى المنتجة للطائرات والصواريخ والأنظمة الدفاعية تستفيد من استمرار حالة المواجهة، موضحًا أن "اقتصاد الحرب أصبح جزءًا من المعادلة السياسية  أن هذا لا يعني أن الشركات تصنع القرار وحدها، لكنها تعمل ضمن شبكة مصالح تضم مسؤولين سياسيين، ومراكز أبحاث، وجماعات ضغط، ومؤسسات أمنية.

اللوبي الإسرائيلي.. نفوذ سياسي متجذر في واشنطن
وحول دور اللوبي الإسرائيلي داخل الولايات المتحدة، يؤكد دلبح أن تأثير هذه الجماعات يمثل أحد العناصر المهمة في فهم استمرار الدعم الأميركي لإسرائيل ويشرح أن هذا النفوذ يظهر عبر العلاقة مع أعضاء الكونغرس، ودعم المرشحين خلال الانتخابات، والتأثير في النقاشات العامة حول قضايا الشرق الأوسط.

ويوضح إن اللوبي الإسرائيلي استطاع على مدى عقود بناء شبكة علاقات قوية داخل النظام السياسي الأميركي، جعلت الدفاع عن إسرائيل جزءًا ثابتًا من الخطاب السياسي لدى قطاعات واسعة من النخبة الأميركية وأن السياسة الأميركية تجاه إسرائيل لا تقوم فقط على تأثير اللوبي، بل ترتبط أيضًا باعتبارات استراتيجية تتعلق بالنفوذ الأميركي في المنطقة.

الانتخابات الأميركية.. إسرائيل في الحسابات الداخلية
ويرى دلبح أن الملف الإسرائيلي لطالما كان حاضرًا في الانتخابات الأميركية، حيث تحاول الإدارات المختلفة الحفاظ على علاقة قوية مع تل أبيب بسبب حسابات سياسية داخلية  والسياسيين الأميركيين يدركون حساسية الملف الإسرائيلي لدى شرائح واسعة من الناخبين، ولذلك فإن دعم إسرائيل يصبح في كثير من الأحيان جزءًا من الخطاب الانتخابي وأن نتنياهو استفاد من هذا الواقع، إذ حاول توظيف العلاقة مع واشنطن لتعزيز مكانته داخل إسرائيل، وتقديم نفسه باعتباره الضامن للعلاقة مع الولايات المتحدة.

الحرب الإعلامية.. سقوط احتكار الرواية
وفي ما يتعلق بالمعركة الإعلامية، يؤكد دلبح أن إسرائيل خاضت حربًا موازية في مجال الصورة والرواية، لكنها واجهت تحديات غير مسبوقة ويقول إن الإعلام الغربي التقليدي في بداية الحرب ركز بدرجة كبيرة على الرواية الإسرائيلية، إلا أن استمرار الحرب وتزايد حجم الضحايا المدنيين أدى إلى تغير في المزاج الدولي. 

ويضيف  أن وسائل التواصل الاجتماعي كسرت إلى حد كبير احتكار المؤسسات الإعلامية الكبرى للرواية، وأصبحت الصور والمعلومات المتداولة من مناطق الحرب عاملًا مؤثرًا في تشكيل الرأي العام وأن إسرائيل خسرت جزءًا من قدرتها على التحكم بالصورة، بعدما أصبحت تواجه انتقادات واسعة داخل المجتمعات الغربية نفسها.

المؤسسات الدولية.. اختبار للنظام العالمي
وعن دور المؤسسات الدولية، يقول دلبح إن الحرب كشفت أزمة عميقة في النظام الدولي، خصوصًا بسبب التناقض بين الخطاب الغربي حول القانون الدولي وبين طريقة التعامل مع إسرائيل يشير دلبح إلى أن مجلس الأمن شهد انقسامات حادة، حيث استخدمت الولايات المتحدة نفوذها السياسي لحماية إسرائيل من قرارات قد تعتبرها تل أبيب معادية وأن التحركات القانونية أمام المحكمة الجنائية الدولية والمحاكم الدولية الأخرى شكلت ضغطًا إضافيًا على إسرائيل، رغم صعوبة تحويل هذه الإجراءات إلى خطوات عملية بسبب التعقيدات السياسية الدولية.

هل تريد إسرائيل إشراك واشنطن في مواجهة أوسع؟
وفي ما يتعلق بالأهداف الإسرائيلية من دفع الولايات المتحدة إلى الانخراط بصورة أكبر في الصراع، يرى دلبح أن إسرائيل تسعى إلى تحقيق عدة أهداف استراتيجية يلفت الباحث الفلسطيني إلى أن الهدف الأول هو تعزيز الردع، وإظهار أن أي مواجهة مع إسرائيل ستواجه أيضًا القوة الأميركية.

أما الهدف الثاني فهو الحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي، خصوصًا في ظل صعود قوى إقليمية تمتلك قدرات عسكرية متطورة ، أما والهدف الثالث، بحسب دلبح، هو التأثير في شكل المنطقة بعد انتهاء الحروب، وضمان أن تكون إسرائيل طرفًا أساسيًا في أي ترتيبات سياسية أو أمنية جديدة إذ أن إسرائيل تدرك أن موازين القوى في المنطقة تتغير، ولذلك تحاول استخدام التحالف مع الولايات المتحدة لتثبيت موقعها قبل أن تتشكل معادلات جديدة.

مستقبل العلاقة.. تحالف قوي أمام واقع متغير
وفي ختام حديثه، يؤكد محمد دلبح أن التحالف الأميركي ـ الإسرائيلي سيبقى قويًا في المدى المنظور، لكنه يواجه تحديات متزايدة بسبب التحولات الدولية والإقليمية وأن صورة إسرائيل عالميًا تعرضت لضربة كبيرة، وأن استمرار الحروب يفرض كلفة سياسية وأخلاقية على الولايات المتحدة نفسها.

ويشدد على أن المرحلة المقبلة لن تكون محكومة فقط بالقوة العسكرية، بل أيضًا بقدرة الأطراف على كسب المعركة السياسية والإعلامية، مؤكدًا أن المنطقة دخلت مرحلة إعادة تشكيل كبرى ستحدد مستقبل النفوذ الأميركي والإسرائيلي لعقود مقبلة.
رقم : 1296043
شارک بتعلیقک
الإسم الثلاثي

البريد الإلكتروني
تعليقك

أهم الأخبار
إخترنا لکم