فمع انتقال المواجهة من إطارها التقليدي إلى صراع متعدد الساحات، برزت محاولات أميركية لإعادة تعريف طبيعة الخصوم والتحالفات، وسط حديث عن نقل مركز الثقل في المواجهة مع إيران إلى أطراف إقليمية، وإعادة إنتاج الانقسامات على أسس مذهبية وسياسية.
وفي المقابل، يستمر الدعم الأميركي لإسرائيل بمستوياته العسكرية والسياسية والاستخباراتية، في وقت تشهد فيه صناعة السلاح الأميركية نموًا كبيرًا بفعل ارتفاع الطلب على الأسلحة والذخائر، بينما تتواصل المعركة الإعلامية والنفسية لتوجيه الرأي العام العالمي.
حول هذه الملفات، تحدث أستاذ تاريخ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية الدكتور جمال واكيم في حديث لموقع "
إسلام تايمز"، حيث أكد أن زيارة نتنياهو الأخيرة إلى الولايات المتحدة جاءت في سياق محاولة أميركية ـ إسرائيلية لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي، مشيرًا إلى أن العلاقة بين واشنطن وتل أبيب تتجاوز مفهوم التحالف التقليدي لتصل إلى مستوى الشراكة العضوية.
زيارة نتنياهو إلى واشنطن.. تنسيق في ظل إعادة رسم الصراع
يرى الدكتور جمال واكيم أن قراءة زيارة بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة يجب ألا تقتصر على إطار العلاقات الثنائية بين واشنطن وتل أبيب، بل يجب وضعها ضمن سياق التطورات الإقليمية الأوسع.
ويقول إن "زيارة نتنياهو جاءت هذه المرة في ظل متغير أساسي، وهو محاولة إعطاء دور أكبر لبعض القوى الإقليمية، وتحديدًا السعودية، في مواجهة إيران، بدلًا من اقتصار المشهد على الدور الإماراتي والإسرائيلي كما كان سابقًا".
ويضيف أن هذه التطورات جاءت بعد اللقاءات والتحركات الأميركية في المنطقة، والتي بدا من خلالها وجود مسعى لإعادة توزيع الأدوار، بحيث تتولى قوى إقليمية ذات وزن في العالم الإسلامي أدوارًا أكبر في المواجهة مع إيران.
ويرى واكيم أن الهدف من ذلك يرتبط بمحاولة نقل طبيعة الصراع من كونه صراعًا عربيًا ـ إسرائيليًا إلى صراع يأخذ طابعًا مذهبيًا، بما يخدم المصالح الأميركية والإسرائيلية.
ويقول: "هناك محاولة لإعادة تعريف الصراع، ليس باعتباره مواجهة بين إسرائيل والشعب الفلسطيني أو بين إسرائيل والعالم العربي، بل عبر إدخاله في إطار مواجهة سنية ـ شيعية، وهذا يغير طبيعة التحالفات ويعيد ترتيب الأولويات".
الدور السعودي ومحاولة تغيير معادلات المنطقة
ويشير واكيم إلى أن التطورات الإقليمية الأخيرة تعكس هذا المسار، لافتًا إلى أن الدور السعودي بات حاضرًا بشكل أكبر في المواجهات الإقليمية وأن الترجمة العملية لهذا المسار ظهرت من خلال التصعيد السعودي في اليمن، ثم التطورات المرتبطة بالساحات الأخرى، حيث بات واضحًا أن هناك محاولة لإعادة توزيع الأدوار في المنطقة".
ويؤكد أن واشنطن تسعى إلى بناء شبكة إقليمية قادرة على مواجهة الخصوم، بدلًا من الاعتماد فقط على التدخل العسكري الأميركي المباشر وأن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطر كبيرة، لأنها تدفع المنطقة نحو مزيد من الاستقطاب، وتحوّل الصراعات السياسية إلى مواجهات ذات أبعاد مذهبية.
إسرائيل وإيران.. هل نحن أمام تصعيد أوسع؟
وحول أهداف نتنياهو من التنسيق مع واشنطن، يوضح واكيم أن إسرائيل تحاول تحديد دورها في المرحلة المقبلة، خصوصًا بعد اتساع دائرة المواجهة مع إيران وحلفائها ويقول إن "السؤال الأساسي اليوم هو ما إذا كانت إسرائيل ستكتفي بالدور الحالي أم ستدخل في عملية عسكرية أوسع، خصوصًا في ظل انشغال إيران وحلفائها بساحات أخرى".
ويضيف أن إسرائيل لطالما حاولت الاستفادة من لحظات الانشغال الإقليمي لشن عمليات أو فرض معادلات جديدة، مشيرًا إلى أن أي ضربة واسعة ضد إيران تحتاج إلى تنسيق أميركي مباشر وأن تل أبيب ترى في إضعاف الخصوم الإقليميين فرصة لتعزيز موقعها الاستراتيجي في المنطقة.
الدعم الأميركي لإسرائيل.. إجماع يتجاوز نتنياهو
وحول استمرار المساعدات الأميركية لإسرائيل، يؤكد واكيم أن هذا الدعم لا يمكن تفسيره فقط بعلاقة شخصية بين نتنياهو والإدارات الأميركية المتعاقبة ويقول: "المسألة ليست مسألة نتنياهو أو وجود خلافات مؤقتة بين مسؤولين، بل هناك إجماع أميركي واسع على اعتبار إسرائيل شريكًا استراتيجيًا".
ويشير إلى أن هذا الدعم يشمل مختلف المستويات، من القرارات السياسية إلى المساعدات العسكرية، وصفقات الأسلحة، والتعاون الاستخباراتي أن الولايات المتحدة تنظر إلى إسرائيل باعتبارها أداة أساسية للحفاظ على نفوذها في الشرق الأوسط، وليس فقط كدولة حليفة تحصل على الدعم.
صناعة السلاح.. أحد محركات استمرار الدعم
وفي ما يتعلق بازدياد إنتاج الأسلحة والذخائر، يرى واكيم أن الأمر يعكس طبيعة العلاقة بين الأمن والسياسة والاقتصاد في الولايات المتحدة ويوضح أن ارتفاع الطلب على السلاح خلال الحروب يؤدي إلى توسع أعمال شركات الصناعات الدفاعية، ويعزز نفوذ القطاع العسكري داخل دوائر القرار الأميركي وأن هذا العامل لا يفسر وحده استمرار الدعم الأميركي لإسرائيل، لكنه يمثل جزءًا من شبكة مصالح واسعة تجعل من العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية أكثر تعقيدًا.
اللوبي الإسرائيلي.. العلاقة أعمق من الضغط السياسي
وحول دور اللوبي الإسرائيلي داخل الولايات المتحدة، يرى واكيم أن اختزال العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية في تأثير جماعات الضغط فقط لا يعطي صورة كاملة.
ويقول: "هناك علاقة وطيدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وهي علاقة شراكة عضوية، والقصة ليست فقط أن هناك لوبيًا يضغط على صانع القرار أن إسرائيل تمثل بالنسبة لواشنطن امتدادًا استراتيجيًا في المنطقة، سواء على المستوى الجيوسياسي أو الأيديولوجي وحتى الديني لدى بعض التيارات داخل الولايات المتحد ويتابع:"إسرائيل هي امتداد للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ولذلك فإن العلاقة بين الطرفين تتجاوز الحسابات الانتخابية أو تأثير اللوبيات".
الحرب النفسية والإعلامية.. بين النجاح والتراجع
وفي الملف الإعلامي، يوضح واكيم أن الولايات المتحدة وإسرائيل خاضتا حربًا نفسية وإعلامية موازية للحرب العسكرية ويقول إن الهدف الأساسي كان تقديم إسرائيل بصورة الضحية، وإظهارها كطرف يدافع عن نفسه، مقابل محاولة تصوير الطرف الآخر باعتباره مصدر تهديد.
ويضيف: الحرب النفسية والإعلامية نجحت إلى حد معين، خصوصًا في بداية المواجهة، عندما تمكنت إسرائيل والولايات المتحدة من فرض جزء من روايتهما على وسائل الإعلام الغربي بالتالي فإن استمرار الحرب وتزايد حجم الخسائر الإنسانية أدى إلى ظهور تحديات كبيرة أمام هذه الرواية، خصوصًا مع انتشار المعلومات والصور عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ويرى أن المعركة الإعلامية أصبحت أكثر تعقيدًا، ولم تعد المؤسسات الإعلامية الكبرى قادرة على التحكم الكامل في تشكيل الرأي العام كما كان سابقًا.
المؤسسات الدولية ومستقبل النظام العالمي
ويرى واكيم أن الحرب الأخيرة كشفت حدود المؤسسات الدولية، خصوصًا في ظل الانقسام داخل مجلس الأمن والأمم المتحدة والولايات المتحدة ما زالت تمتلك قدرة كبيرة على حماية إسرائيل سياسيًا، لكن هذا النفوذ يواجه تحديات مع تصاعد الانتقادات الدولية وتغير موازين القوى العالمية.
ويضيف أن التحولات الحالية تشير إلى انتقال تدريجي نحو نظام دولي أكثر تعددية، حيث لم تعد واشنطن قادرة على فرض رؤيتها دون مقاومة من قوى دولية وإقليمية أخرى.
إسرائيل والمرحلة المقبلة.. تثبيت النفوذ وإعادة تشكيل المنطقة
ويختم الدكتور جمال واكيم حديثه بالقول إن الهدف الاستراتيجي الإسرائيلي لا يقتصر على إدارة حرب محددة، بل يرتبط بمحاولة إعادة تشكيل البيئة الإقليمية بما يضمن استمرار تفوقها.
ويؤكد أن إسرائيل تسعى إلى تعزيز الردع، والحفاظ على التفوق العسكري، وضمان استمرار الدعم الأميركي، ومنع ظهور موازين قوى إقليمية تحد من نفوذها وأن واشنطن من جهتها ترى في إسرائيل عنصرًا أساسيًا في استراتيجيتها الشرق أوسطية، ولذلك فإن العلاقة بين الطرفين ستبقى محورًا رئيسيًا في تحديد شكل المنطقة خلال المرحلة المقبلة.