فزيارات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو المتكررة إلى واشنطن لم تعد تقتصر على اللقاءات البروتوكولية أو التنسيق السياسي المعتاد، بل باتت تعكس حاجة إسرائيل إلى إعادة تثبيت الدعم الأميركي في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة، وضمان استمرار الانخراط الأميركي في حماية التفوق الإسرائيلي، سواء عبر المساعدات العسكرية أو الغطاء السياسي أو التنسيق الاستخباراتي.
وفي المقابل، أظهرت الحرب أن هذا التحالف يواجه تحديات غير مسبوقة، مع تصاعد الانتقادات الدولية، واتساع الاحتجاجات داخل الولايات المتحدة وأوروبا، وتراجع قدرة الرواية الإسرائيلية على احتكار المشهد الإعلامي، إلى جانب تزايد الكلفة الاقتصادية والعسكرية للحروب المتلاحقة.
وفي قراءة لهذه التطورات، يؤكد الأكاديمي والباحث السياسي معين مناع، في حديث لموقع "
إسلام تايمز"، أن واشنطن لا تنظر إلى إسرائيل باعتبارها عبئًا، وإنما تعتبرها جزءًا من بنيتها الاستراتيجية في المنطقة، إلا أن الحرب الأخيرة كشفت في الوقت نفسه حجم المأزق الذي يواجهه الطرفان في إدارة الصراع.
زيارات نتنياهو... تثبيت الشراكة في مرحلة التحولات
يرى معين مناع أن زيارة نتنياهو إلى الولايات المتحدة جاءت في توقيت بالغ الحساسية، حيث تواجه إسرائيل ضغوطًا عسكرية وسياسية غير مسبوقة، الأمر الذي جعلها أكثر حاجة إلى إعادة تثبيت التفاهمات مع الإدارة الأميركية.
ويقول إن نتنياهو لم يتوجه إلى واشنطن فقط للحصول على مزيد من الذخائر أو التمويل، بل لإجراء مراجعة سياسية شاملة مع الإدارة الأميركية حول مستقبل الحرب، وحدود التصعيد، وكيفية إدارة المواجهة مع إيران وقوى المقاومة، فضلًا عن رسم ملامح المرحلة التالية في المنطقة.
ويضيف أن إسرائيل تدرك أن أي حرب إقليمية واسعة لن تتمكن من إدارتها منفردة، وأن استمرارها في فرض معادلات القوة يرتبط بدرجة كبيرة باستمرار الانخراط الأميركي المباشر.
ما بعد كل زيارة... ترجمة ميدانية وسياسية
ويشير مناع إلى أن المتابع لمسار زيارات نتنياهو خلال السنوات الأخيرة يلاحظ أنها غالبًا ما تتبعها قرارات عسكرية أو سياسية تعكس حجم التنسيق بين الجانبين.
ويؤكد أن الولايات المتحدة تواصل تقديم الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل، لكنها في الوقت ذاته تحاول إدارة الضغوط الدولية المتزايدة، خصوصًا مع تصاعد الانتقادات المرتبطة بالأوضاع الإنسانية، ولذلك تعمل على الموازنة بين استمرار الدعم وبين احتواء الغضب الدولي.
ويرى أن هذا التوازن لا يعني وجود خلاف استراتيجي بين واشنطن وتل أبيب، وإنما يعكس اختلافًا في إدارة الأزمة وليس في جوهر التحالف.
المساعدات الأميركية... ركيزة التفوق الإسرائيلي
ويؤكد مناع أن المساعدات الأميركية لإسرائيل لم تعد تقتصر على المساعدات المالية السنوية، بل أصبحت منظومة متكاملة تشمل التمويل العسكري، والذخائر، وأنظمة الدفاع الجوي، والدعم الاستخباراتي، والتكنولوجيا المتقدمة، إضافة إلى الدعم الدبلوماسي في المحافل الدولية.
ويقول إن هذه المساعدات تؤكد أن إسرائيل، رغم امتلاكها قاعدة صناعية عسكرية متطورة، لا تزال تعتمد بصورة كبيرة على الولايات المتحدة في الحروب الطويلة، خصوصًا مع الاستنزاف الكبير الذي تفرضه المواجهات المفتوحة.
اقتصاد الحرب... المستفيد الأكبر شركات السلاح
ويتوقف مناع عند البعد الاقتصادي للحرب، معتبرًا أن الصناعات العسكرية الأميركية تشكل أحد أبرز المستفيدين من استمرار التوترات الإقليمية.
ويشير إلى أن الحروب تؤدي إلى ارتفاع الطلب على الذخائر والطائرات ومنظومات الدفاع، الأمر الذي ينعكس على أرباح شركات السلاح، ويعزز مكانة المجمع الصناعي العسكري داخل الاقتصاد الأميركي.
لكنه يلفت إلى أن اختزال السياسة الأميركية بالمصالح الاقتصادية وحدها يبقى قراءة ناقصة، لأن القرار الأميركي تحكمه أيضًا اعتبارات جيوسياسية واستراتيجية تتعلق بالحفاظ على النفوذ العالمي.
اللوبي الإسرائيلي... عنصر مؤثر وليس العامل الوحيد
وفي معرض حديثه عن اللوبي الإسرائيلي، يرى مناع أن تأثيره داخل الولايات المتحدة كبير، سواء في الكونغرس أو خلال الانتخابات أو في صناعة الخطاب السياسي، لكنه ليس العامل الوحيد الذي يحدد السياسة الأميركية.
ويقول إن العلاقة الأميركية – الإسرائيلية أعمق من مجرد ضغوط تمارسها جماعات الضغط، لأنها ترتبط برؤية استراتيجية تعتبر إسرائيل قاعدة متقدمة لحماية المصالح الأميركية في الشرق الأوسط.
ويضيف أن اللوبي الإسرائيلي ينجح في تعزيز هذا التوجه والدفاع عنه، لكنه لا يصنعه من الصفر.
الانتخابات الأميركية... إسرائيل ملف داخلي بامتياز
ويؤكد مناع أن الملف الإسرائيلي حاضر بقوة في السياسة الداخلية الأميركية، ولذلك جاءت بعض زيارات نتنياهو في توقيت انتخابي حساس.
ويرى أن الإدارات الأميركية تحرص على إظهار التزامها بأمن إسرائيل، بينما يستثمر نتنياهو هذا الدعم لتعزيز موقعه داخل المجتمع الإسرائيلي وإظهار نفسه باعتباره القادر على الحفاظ على العلاقة الخاصة مع واشنطن.
لكنه يشير إلى أن الحرب الأخيرة أدخلت عنصرًا جديدًا يتمثل في تنامي الأصوات الأميركية المعارضة لاستمرار الدعم غير المشروط لإسرائيل، وهو ما قد ينعكس تدريجيًا على النقاش السياسي داخل الولايات المتحدة.
الحرب الإعلامية... الرواية الإسرائيلية تواجه تحديًا غير مسبوق
ويعتبر مناع أن واحدة من أهم ساحات المواجهة كانت ساحة الإعلام والرأي العام، حيث سعت إسرائيل، بدعم غربي واسع، إلى ترسيخ صورة أنها تخوض حربًا دفاعية.
إلا أن استمرار العمليات العسكرية وارتفاع أعداد الضحايا المدنيين أدى، بحسب مناع، إلى تآكل هذه الرواية، خصوصًا مع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي التي سمحت بوصول الصور والمعلومات مباشرة إلى الرأي العام العالمي.
ويضيف أن المعركة الإعلامية لم تعد تُحسم عبر وسائل الإعلام التقليدية وحدها، بل أصبحت مرتبطة بقدرة كل طرف على التأثير في الفضاء الرقمي والرأي العام الدولي.
التداعيات الاقتصادية والإنسانية... كلفة تتجاوز حدود المنطقة
ويؤكد مناع أن استمرار الحرب ترك آثارًا عميقة على الاقتصاد العالمي، سواء من خلال اضطراب حركة الملاحة الدولية، أو ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، أو المخاوف المتعلقة بأسواق الطاقة.
كما يشير إلى أن الكلفة الإنسانية للحرب باتت تشكل عامل ضغط متزايد على الحكومات الغربية، في ظل تنامي الانتقادات الحقوقية، واتساع المطالبات بوقف العمليات العسكرية.
المؤسسات الدولية... أزمة نظام عالمي
وحول دور الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية، يرى مناع أن الحرب كشفت حدود النظام الدولي الحالي، حيث اصطدمت المؤسسات الدولية بالفيتو الأميركي والانقسامات داخل مجلس الأمن.
ويعتبر أن التحركات القانونية ضد المسؤولين الإسرائيليين تمثل تطورًا مهمًا، حتى وإن كانت نتائجها العملية ما تزال مرتبطة بالتوازنات السياسية الدولية.
لماذا تريد إسرائيل إشراك الولايات المتحدة؟
ويختتم معين مناع حديثه بالتأكيد أن إسرائيل تسعى إلى إبقاء الولايات المتحدة منخرطة بصورة مباشرة في أي مواجهة إقليمية، لأن ذلك يحقق لها جملة من الأهداف، أبرزها تعزيز الردع، وضمان استمرار الدعم العسكري والسياسي، ومنع خصومها من استغلال أي تراجع في الحضور الأميركي.
ويضيف أن تل أبيب تدرك أن المرحلة المقبلة ستشهد إعادة رسم للتوازنات في الشرق الأوسط، ولذلك تعمل على أن تكون واشنطن شريكًا كاملًا في هذه العملية، بما يحفظ لإسرائيل تفوقها العسكري ومكانتها في أي ترتيبات إقليمية مستقبلية.
ويختم بالقول إن التحالف الأميركي – الإسرائيلي سيبقى أحد أبرز محددات المشهد الإقليمي، إلا أن المتغيرات الدولية، وتصاعد الاعتراضات الشعبية في الغرب، وتراجع قدرة إسرائيل على فرض روايتها التقليدية، كلها عوامل تجعل هذا التحالف أمام اختبار حقيقي خلال السنوات المقبلة.