0
الجمعة 7 آب 2026 ساعة 20:21

الدكتور عمر عبد الله شلّح لـ"إسلام تايمز": واشنطن رسمت ملامح المرحلة المقبلة... والمنطقة تتجه إلى صراع طويل بين الحرب والتفاوض

الدكتور عمر عبد الله شلّح لـ"إسلام تايمز": واشنطن رسمت ملامح المرحلة المقبلة... والمنطقة تتجه إلى صراع طويل بين الحرب والتفاوض
وفي حديث مطول لموقع إسلام تايمز، اعتبر شلّح أن التطورات التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية، ولا سيما الحرب على إيران، أسست لمرحلة جديدة تختلف عن كل المراحل السابقة، حيث لم تعد المواجهة محكومة بحرب واحدة تنتهي باتفاق، بل دخلت في مسار طويل من جولات عسكرية تتخللها مفاوضات مؤقتة، وصولاً إلى فرض توازنات جديدة في الشرق الأوسط.

وأشار إلى أن الجمهورية الإسلامية، رغم حجم الضربات التي تعرضت لها، تمكنت من استعادة توازنها بسرعة، وأثبتت أن مشروع إسقاطها أو إخراجها من معادلة المنطقة ليس هدفاً يمكن تحقيقه عبر الضغوط العسكرية أو السياسية، فيما رأى أن لبنان خسر فرصة الاستفادة من الدعم الإيراني نتيجة خياراته السياسية، وأن الحرب الإعلامية باتت تشكل أحد أخطر ميادين المواجهة الحالية.

زيارة نتنياهو... ما وراء العنوان المعلن

ورأى شلّح أن القراءة الحقيقية لزيارة نتنياهو تبدأ من فهم طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي، باعتبار "إسرائيل" تمثل، بحسب تعبيره، القاعدة الأميركية الأكثر تقدماً في الشرق الأوسط، وهو ما يجعل أي لقاء بين قيادتي الطرفين يتجاوز دائماً الطابع البروتوكولي.

وأوضح أن الرواية التي رافقت الزيارة، وربطتها بالمشاركة في مراسم تشييع أحد أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي، لا تفسر حقيقة ما جرى داخل غرف الاجتماعات، لأن الملفات المطروحة كانت أكبر بكثير من المناسبة المعلنة.

وأضاف أن الزيارة جاءت في توقيت حساس أعقب الحرب على إيران، وفي ظل حديث أميركي وإسرائيلي متواصل عن مستقبل البرنامج النووي الإيراني، ومستقبل محور المقاومة، وشكل الردع الذي فرضته طهران خلال المواجهة الأخيرة.

وأشار إلى أن نتنياهو ذهب إلى واشنطن من أجل تنسيق المواقف مع الإدارة الأميركية، والبحث في السيناريوهات المقبلة، سواء ما يتعلق بإمكانية استئناف العمليات العسكرية ضد إيران، أو إدارة مرحلة الضغوط السياسية والاقتصادية، أو حتى إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية.

وبرأيه، فإن مستوى التنسيق الأميركي الإسرائيلي يجعل من الصعب الاعتقاد بأن الزيارة كانت ذات طابع رمزي، خصوصاً أن الإدارة الأميركية تدرك أن أي قرار يتعلق بإيران ستكون "إسرائيل" طرفاً أساسياً فيه، سواء في الحرب أو في التفاوض.

الرسائل الإيرانية فرضت حسابات جديدة

وأشار شلّح إلى أن الرسائل التي بعثت بها القيادة الإيرانية قبل الزيارة، سواء عبر التصريحات الرسمية أو من خلال التحذيرات الواضحة بشأن الرد على أي اعتداء جديد، دفعت عدداً من الأطراف الإقليمية والدولية إلى إعادة النظر في حساباتها.

وقال إن طهران أوضحت بصورة لا لبس فيها أنها لن تكتفي بالدفاع داخل حدودها، بل ستتعامل مع أي مصدر للعدوان باعتباره هدفاً مشروعاً، وهو ما جعل كثيراً من الدول التي تستضيف قواعد أميركية تدرك أن أي انخراط مباشر في الحرب ستكون له تداعيات عليها.

وأضاف أن هذه الرسائل لم تكن موجهة إلى واشنطن وحدها، وإنما أيضاً إلى الدول التي قد تتحول أراضيها أو أجواؤها إلى منصات لأي هجوم جديد، الأمر الذي ساهم في إحداث نقاشات واسعة داخل المنطقة حول كلفة الانخراط في أي مواجهة عسكرية جديدة.

الحرب دخلت مرحلة جديدة

وأكد شلّح أن الحديث عن انتهاء الحرب على إيران لا يعكس الواقع، لأن ما جرى خلال الأسابيع الماضية لم يكن سوى الجولة الأولى من صراع طويل.

وأوضح أن الحرب الأخيرة أفرزت معادلات ردع جديدة، لكنها لم تحسم الصراع، مشيراً إلى أن المنطقة دخلت نموذجاً جديداً يقوم على جولات متكررة من الحرب تتبعها فترات تفاوض، ثم تعود المواجهة مجدداً كلما فشلت المفاوضات في معالجة جذور الأزمة.

وأضاف أن هذا النمط يشبه إلى حد كبير "حروب الاستنزاف"، حيث يسعى كل طرف إلى إنهاك خصمه تدريجياً، سواء عسكرياً أو اقتصادياً أو سياسياً، مع الاحتفاظ بخيار العودة إلى طاولة التفاوض كلما دعت الحاجة.

ورأى أن إيران تدرك طبيعة هذا المسار، ولذلك لا تتعامل مع أي تهدئة باعتبارها نهاية للصراع، وإنما باعتبارها محطة مؤقتة ضمن مواجهة استراتيجية طويلة.

لماذا يصعب كسر إيران؟

وأوضح شلّح أن من يقرأ التاريخ الإيراني يدرك أن الجمهورية الإسلامية ليست دولة طارئة، وإنما امتداد لحضارة عريقة واجهت عبر القرون إمبراطوريات كبرى، واستطاعت الحفاظ على وجودها رغم الحروب المتلاحقة.

وقال إن كثيراً من القوى الكبرى حاولت إخضاع إيران أو إسقاطها، إلا أنها فشلت في تحقيق ذلك، لأن المجتمع الإيراني يمتلك، بحسب وصفه، قدرة كبيرة على الصبر والتحمل وإدارة الصراعات الطويلة.

وأضاف أن الثقافة السياسية الإيرانية تقوم على النفس الطويل، وهو ما ينعكس في إدارة الملفات العسكرية والدبلوماسية على السواء، ولذلك فإن الرهان على إنهاك إيران خلال فترة قصيرة لا يستند إلى قراءة واقعية لطبيعة الدولة والمجتمع فيها.

المفاوضات لن تنهي الأزمة

وفي تقييمه للمفاوضات الإيرانية الأميركية، اعتبر شلّح أن المفاوضات الحالية لن تكون نهاية للأزمة، وإنما جزءاً من إدارة الصراع.

وأشار إلى أن واشنطن قد تلجأ إلى توقيع تفاهمات مرحلية، لكنها سرعان ما تعود إلى تعديلها أو التراجع عنها تحت ضغط اللوبيات المؤيدة للاحتلال أو نتيجة الحسابات الانتخابية الداخلية.

وأضاف أن إيران أصبحت أكثر حذراً بعد التجارب السابقة، ولذلك تتمسك بتنفيذ أي اتفاق بصورة كاملة، وترفض الدخول في ترتيبات جزئية أو وعود غير مضمونة.

وتوقع أن تستمر العلاقة بين الحرب والتفاوض خلال المرحلة المقبلة، بحيث تتعاقب جولات التصعيد مع جولات الحوار، من دون الوصول سريعاً إلى تسوية نهائية.

لبنان... فرصة ضائعة

وتطرق شلّح إلى الملف اللبناني، معتبراً أن الجمهورية الإسلامية أبدت استعداداً واضحاً لدعم لبنان في مختلف المجالات، إلا أن هذا العرض لم يلق تجاوباً من السلطات اللبنانية.

وأضاف أن القرار اللبناني، برأيه، خضع لضغوط خارجية حالت دون الاستفادة من المبادرات الإيرانية، وهو ما انعكس على مسار المفاوضات مع الاحتلال.

وأشار إلى أن المفاوض اللبناني دخل العملية السياسية من دون امتلاك عناصر القوة الكافية، الأمر الذي أدى إلى قبول ترتيبات لا تحقق، بحسب رأيه، مصلحة لبنان.

ورأى أن التجربة الفلسطينية مع اتفاق أوسلو تقدم مثالاً واضحاً على طبيعة السياسة الإسرائيلية، حيث بقي الاحتلال يعيد تفسير الاتفاقات ويتراجع عن التزاماته حتى بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على توقيعها.

إيران ومحور المقاومة

وأكد شلّح أن دعم إيران لمحور المقاومة ليس موقفاً تكتيكياً مرتبطاً بظروف معينة، وإنما يمثل جزءاً من العقيدة السياسية والاستراتيجية للجمهورية الإسلامية.

وأوضح أن طهران تعتبر الدفاع عن حركات المقاومة واجباً دينياً وأخلاقياً وسياسياً، وأن هذا النهج لن يتغير مهما بلغت الضغوط الدولية أو الإقليمية.

وأضاف أن إيران تنظر إلى دعم حزب الله والمقاومة الفلسطينية باعتباره جزءاً من معركة أوسع تتعلق بمستقبل المنطقة، وليس مجرد تحالف سياسي عابر.

التعافي الإيراني بعد الضربة الأولى

ورأى شلّح أن أحد أبرز إنجازات إيران خلال الحرب الأخيرة تمثل في قدرتها على استعادة تماسك مؤسساتها بسرعة، رغم الخسائر التي لحقت بها في الأيام الأولى.

وأشار إلى أن الضربة الأولى كانت مكلفة على المستويين الأمني والعسكري، لكنها لم تؤد إلى انهيار منظومة القيادة، بل نجحت الدولة في إعادة تنظيم نفسها بسرعة، وتأمين استمرارية القرار السياسي والعسكري.

وأضاف أن طهران تمكنت من سد عدد من الثغرات الأمنية التي ظهرت خلال بداية الحرب، وأعادت تنظيم منظومتها الأمنية بصورة أكثر صرامة، كما نجحت في حماية قيادتها العليا وإدارة ملف الأمن الداخلي بكفاءة أكبر.

الحرب الإعلامية... جبهة لا تقل خطورة

وتوقف شلّح عند ما وصفه بـ"الحرب الإعلامية"، معتبراً أنها أصبحت ساحة موازية للميدان العسكري.

وقال إن الإعلام الغربي، إلى جانب عدد من وسائل الإعلام العربية، يعمل على تقديم رواية تركز على تضخيم إنجازات الاحتلال، مقابل التقليل من أداء إيران ومحور المقاومة.

وأضاف أن هذا الواقع يفرض على وسائل الإعلام الداعمة للمقاومة بذل جهود أكبر لتقديم رواية مضادة، وإبراز ما يعتبره حقائق ميدانية وسياسية يجري تجاهلها في كثير من المنصات الدولية.

وأشار إلى أن معركة الرواية أصبحت عنصراً أساسياً في الصراع، وأن الرأي العام العالمي يتأثر اليوم بالكلمة والصورة بقدر تأثره بالتطورات العسكرية.

مستقبل المنطقة

وفي ختام حديثه، اعتبر شلّح أن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة مفصلية ستحدد شكل النظام الإقليمي خلال السنوات المقبلة.

وأوضح أن المواجهة بين الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي من جهة، وإيران ومحور المقاومة من جهة أخرى، لم تعد خلافاً سياسياً قابلاً للاحتواء بسهولة، وإنما تحولت إلى صراع استراتيجي طويل الأمد.

وأكد أن المرحلة المقبلة ستشهد استمراراً للتنافس العسكري والسياسي والإعلامي، وأن موازين القوى الجديدة ستتشكل على ضوء نتائج هذا الصراع، الذي وصفه بأنه "معركة مفتوحة على احتمالات متعددة، لن تحسمها جولة واحدة، بل مسار طويل من المواجهات والتفاهمات المتعاقبة".
رقم : 1297732
شارک بتعلیقک
الإسم الثلاثي

البريد الإلكتروني
تعليقك

أهم الأخبار
إخترنا لکم