وفي حديثه لـ«
إسلام تايمز»، شدّد أبو الغزلان على ضرورة التمييز بين النجاح العملياتي والعسكري من جهة، والنجاح الاستراتيجي والسياسي من جهة أخرى، معتبراً أن قدرة إيران على الحفاظ على تماسك مؤسساتها ومواصلة الرد وإعادة بناء قدراتها أظهرت حدود قدرة الولايات المتحدة و"إسرائيل" على تحويل التفوق العسكري إلى حسم سياسي.
وأشار إلى أن الحرب أعادت تشكيل معادلات الردع في المنطقة، وأثبتت أن محور المقاومة لم ينتهِ، وإنما بدأ يعيد توزيع مراكز قوته وأدواره، في ظل تراجع أهمية بعض الساحات وصعود أهمية ساحات أخرى، ولا سيما اليمن والعراق.
الأهداف الأميركية: من إسقاط النظام إلى تقليص الملفات
يقول أبو الغزلان إن تراجع سقف الأهداف الأميركية من الحديث عن إسقاط النظام الإيراني إلى التركيز على ملفات محددة يمكن تفسيره بثلاثة عوامل أساسية.
أولها أن إسقاط النظام يختلف جذرياً عن تدمير قدراته العسكرية. فالقصف قد يؤدي إلى تدمير منشآت واغتيال قيادات وضرب قواعد وقدرات عسكرية، لكنه لا يضمن إنتاج بديل سياسي قادر على ملء الفراغ الذي قد ينشأ. وقد أثبتت تجارب تغيير الأنظمة في المنطقة أن إسقاط القيادة لا يعني بالضرورة إسقاط النظام السياسي والاجتماعي والمؤسسات التي يستند إليها.
ومن هنا، أصبح الانتقال من شعار "تغيير النظام" إلى استهداف ملفات أكثر تحديداً، مثل البرنامج النووي والصواريخ والقدرات البحرية والقدرة على دعم الحلفاء وتهديد حركة الملاحة في مضيق هرمز، أكثر قابلية للتحقيق عسكرياً.
أما العامل الثاني، وفق أبو الغزلان، فهو أن إيران أثبتت أنها ليست هدفاً سهلاً للانهيار الداخلي السريع. فعلى الرغم من الضربات القاسية وفقدان عدد من القيادات، بقيت مؤسسات الدولة والأجهزة العسكرية والأمنية قادرة على مواصلة عملها.
ويضيف أن استهداف رأس الهرم، وحتى اغتيال القيادة، لا يكفي لإسقاط منظومة كاملة طالما أن بنيتها التنظيمية والمؤسساتية، بما فيها الحرس الثوري والأجهزة الأمنية، فضلاً عن القدرات الصاروخية والسياسية، لا تزال قائمة وقادرة على إعادة إنتاج القرار.
أما العامل الثالث فهو ارتفاع كلفة الحرب على الولايات المتحدة و"إسرائيل". فكلما اتسعت الحرب، اتسعت معها دائرة المخاطر والتداعيات لتشمل الخليج ومضيق هرمز والقواعد الأميركية و"إسرائيل" والعراق ولبنان واليمن، فضلاً عن انعكاساتها على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.
وبالتالي، فإن خفض سقف الأهداف لا يعني بالضرورة اعترافاً أميركياً علنياً بالهزيمة، بقدر ما يعكس إعادة تعريف لما يمكن تحقيقه فعلياً في الحرب. فعندما يصبح الهدف الاستراتيجي الواسع متعذراً، تنتقل الدولة إلى أهداف محددة وقابلة للقياس بهدف تقليص الخسائر وتحقيق مكاسب جزئية وفتح المجال أمام مسار تفاوضي محتمل.
فشل استراتيجي رغم تحقيق إنجازات عسكرية
ويؤكد أبو الغزلان أن تقييم نتائج الحرب يتطلب التفريق بين مستويين.
فعلى المستوى العملياتي، لا يمكن إنكار أن الولايات المتحدة و"إسرائيل" تمكنتا من تدمير منشآت عسكرية ونووية واغتيال قيادات مهمة وإلحاق أضرار بالبنية العسكرية الإيرانية وإضعاف بعض قدرات الصواريخ والطائرات المسيّرة.
لكن على المستوى الاستراتيجي، يصبح التقييم أكثر تعقيداً.
فالسؤال الأساسي ليس حجم المنشآت التي دُمّرت، وإنما هل نجحت الحرب في تغيير سلوك إيران وإجبارها على الاستسلام السياسي؟
ويرى أبو الغزلان أنه إذا لم تسقط الجمهورية الإسلامية، ولم تتخلَّ إيران عن جوهر برنامجها النووي والصاروخي، ولم تتوقف عن بناء شبكة علاقاتها الإقليمية، ولم تُفرض عليها تسوية بالشروط الأميركية، فإن الحديث عن نجاح استراتيجي كامل سيكون مبالغاً فيه.
وهنا تبرز المفارقة الأساسية، بحسبه: يمكن أن تكون الولايات المتحدة و"إسرائيل" قد حققتا نجاحاً عسكرياً وعملياتياً كبيراً، وفي الوقت نفسه تكونان قد أخفقتا في تحقيق النتيجة السياسية والاستراتيجية التي سعتا إليها.
ويضيف أن معيار تقييم الحروب لا يرتبط فقط بحجم الدمار الذي تحدثه الضربات، بل بما تحدثه الحرب من تغيير في ميزان القوة وسلوك الخصم بعد انتهاء القتال.
ومع ذلك، يشدد أبو الغزلان على ضرورة عدم المبالغة في الاتجاه المقابل، إذ إن الخسائر الإيرانية ليست رمزية، ففقدان قيادات وتدمير منشآت وقدرات عسكرية ونووية وإضعاف بعض عناصر القوة يفرض أثماناً استراتيجية حقيقية على إيران، وقد يمتد تأثيرها لسنوات.
لبنان واختبار مصداقية الاتفاق
وفي ما يتعلق بالبند الخاص بلبنان وعدم التزام الولايات المتحدة به، يرى أبو الغزلان أن المسألة تتجاوز التفاصيل التقنية، لأنها ترتبط بمصداقية التفاهمات نفسها.
ويطرح سؤالاً جوهرياً: هل تستطيع واشنطن إلزام "إسرائيل" بما توافق عليه؟
ويعتبر أن استمرار العمليات الإسرائيلية أو عدم تنفيذ التزامات مرتبطة بالانسحاب والتهدئة، رغم وجود تعهدات أميركية، سيؤدي إلى فقدان الضمانة الأميركية لقيمتها بالنسبة إلى إيران.
وعندها، لن يعود الخلاف مجرد تفصيل في اتفاق، بل سيتحول إلى أزمة في أصل التفاهم.
ويطرح أبو الغزلان ثلاثة مسارات محتملة:
أولاً: إعادة التفاوض، من خلال تقديم واشنطن تنازلات في ملفات مثل لبنان أو العقوبات أو البرنامج النووي لإنقاذ المسار التفاوضي.
ثانياً: التوصل إلى اتفاق جزئي أو مرحلي، عبر فصل الملفات عن بعضها، وربط التهدئة في لبنان بترتيبات محددة، أو معالجة ملف هرمز مقابل تخفيف بعض العقوبات، بدلاً من انتظار تسوية شاملة.
ثالثاً: انهيار المسار التفاوضي والعودة إلى التصعيد، وهو السيناريو الأخطر، خصوصاً إذا اقتنعت إيران بأن واشنطن لا تستطيع أو لا تريد إلزام "إسرائيل" بالتعهدات التي تقدمها.
وبذلك، يتحول لبنان إلى اختبار لمصداقية الاتفاق نفسه، لأن فشل واشنطن في ضمان تنفيذ التزاماتها قد يدفع طهران وحلفاءها إلى تشديد مواقفهم أو إعادة التفاوض بشروط أكثر صرامة.
ويخلص أبو الغزلان إلى أن الحرب ألحقت أضراراً استراتيجية حقيقية بإيران، لكنها لم تثبت قدرة الولايات المتحدة و"إسرائيل" على تحقيق أهداف سياسية كبرى، كإسقاط النظام أو إخضاع طهران.
ومن هنا، انتقل مركز الثقل من سؤال: هل تستطيع أميركا و"إسرائيل" إسقاط النظام الإيراني؟ إلى سؤال آخر أكثر واقعية: هل تستطيعان تحويل التفوق العسكري إلى اتفاق سياسي يقيّد إيران ويعيد تشكيل ميزان القوى الإقليمي؟
ويرجح أن إيران لن تقدم تنازلات سياسية، بل ستعمل على إعادة بناء الردع وتشديد شروطها وتعزيز موقعها الإقليمي، معتبراً أن النتيجة النهائية للحرب لن تُحسم بحجم الدمار وحده، وإنما بما ستنتجه المرحلة المقبلة من تغيير في السلوك والردع وميزان القوى وشروط التفاوض.
الصمود الإيراني: مؤسسات لا تقوم على شخص واحد
وفي ما يتعلق بعوامل منع انهيار الدولة الإيرانية خلال الحرب، يشير أبو الغزلان إلى خمسة عوامل رئيسية.
أولاً، قوة المؤسسات. فالدولة لا تقوم على شخص واحد، واستهداف القيادة لم يؤدِّ إلى فراغ مؤسسي، بسبب وجود مؤسسات قادرة على مواصلة العمل وإعادة إنتاج القيادة.
ثانياً، تعدد الأجهزة العسكرية والأمنية. فوجود الجيش والحرس الثوري والبسيج والأجهزة الأمنية والاستخبارية وفر احتياطاً مؤسسياً، بحيث لا يؤدي استهداف قيادة أو مؤسسة إلى شلل الدولة بأكملها.
ثالثاً، الخبرة المتراكمة في التعامل مع الأزمات. فقد راكمت إيران خلال عقود من العقوبات والحروب خبرة في إدارة الدولة والاقتصاد والمجتمع تحت الضغط.
رابعاً، الجغرافيا وحجم الدولة. فالمساحة الواسعة والكثافة السكانية وتعدد المراكز العسكرية والصناعية ووجود منشآت محصنة وتحت الأرض تجعل شل الدولة بالكامل عسكرياً أمراً بالغ الصعوبة.
خامساً، العامل الوطني. إذ قد يؤدي استهداف الدولة أو قيادتها من الخارج إلى تعزيز الالتفاف الوطني حولها بدلاً من إسقاطها، خصوصاً في ظروف الحرب.
لكن أبو الغزلان يشدد في الوقت نفسه على أن هذا الصمود لا يعني غياب الأثمان، إذ تواجه إيران ضغوطاً اقتصادية واجتماعية حقيقية، وبالتالي فإن نجاحها تمثل في منع الانهيار، لا في الخروج من الحرب من دون خسائر.
اقتصاد متضرر ودولة قادرة على الاستمرار
ويشرح أبو الغزلان قدرة المؤسسات الإيرانية على الحفاظ على تماسكها من خلال مفهوم يمكن تسميته "اللامركزية في القدرة على الصمود".
فإيران، بحسبه، تعاملت مع الحرب بوصفها حرب استنزاف طويلة، وليس معركة واحدة يفترض أن تُحسم خلال أيام.
وتظهر هذه القدرة في إعادة بناء المنشآت العسكرية والإنتاجية، إذ أشارت تقارير إلى عمليات إعادة بناء واسعة لقواعد ومنشآت صاروخية وصناعية تعرضت للقصف.
غير أن استمرار مؤسسات الدولة لا يعني أن الاقتصاد لم يتضرر، بل على العكس، أصبح الوضع الاقتصادي أحد أكبر نقاط الضعف الإيرانية، مع ما تراكم من تضخم وتضرر للبنية التحتية وتراجع قيمة العملة والقدرة الشرائية وارتفاع البطالة.
وعليه، فإن المعادلة، كما يطرحها أبو الغزلان، تتمثل في أن الدولة الإيرانية حافظت على تماسكها السياسي والعسكري، لكنها دفعت ثمناً اقتصادياً واجتماعياً كبيراً في المقابل.
استمرار الصواريخ والصناعة العسكرية
ويعتبر أبو الغزلان أن استمرار القدرات الصاروخية الإيرانية بعد أشهر من المواجهة يمثل أحد أهم مؤشرات تقييم الحرب.
فإذا كان الهدف من العمليات الأميركية والإسرائيلية تدمير القدرة الصاروخية الإيرانية إلى الحد الذي يمنعها من مواصلة القتال، فإن استمرار إطلاق الصواريخ يعني أن هذا الهدف لم يتحقق بالكامل.
ويشير إلى أن القدرة الصاروخية ليست مجرد مخزون من الصواريخ، وإنما منظومة متكاملة تشمل الإنتاج والتخزين والإخفاء والقيادة والسيطرة والإطلاق وإعادة التموضع.
لذلك فإن تدمير جزء من المخزون أو بعض المنشآت لا يعني بالضرورة تدمير المنظومة بأكملها.
ويضيف أن إحدى أهم خلاصات الحرب تتمثل في أن التفوق الجوي لا يتحول تلقائياً إلى حسم، ما لم يؤدِّ إلى تعطيل قدرة الخصم على مواصلة الرد.
كما أن أهمية الصناعات العسكرية المحلية لا تقل عن أهمية المخزون الموجود عند بداية الحرب، لأن الحروب الحديثة تُقاس أيضاً بقدرة الدولة على إعادة إنتاج السلاح وتعويض الخسائر أثناء القتال.
وبحسب أبو الغزلان، فإن قدرة دولة تتعرض للقصف على إعادة تشغيل جزء من إنتاجها وتكييف أساليبها ومواصلة الرد تجعل استراتيجية "الضربة القاضية" أكثر صعوبة، فيما تقلل الصناعة العسكرية المحلية من الاعتماد على الخارج وتحد من قدرة العقوبات والحصار على شل القدرة العسكرية.
تشييع الخامنئي ورسالة الحضور الدولي
وفي قراءة المشاركة الدولية في تشييع الإمام علي الخامنئي، يرى أبو الغزلان أن الحدث يمكن قراءته على ثلاثة مستويات.
سياسياً، يعكس أن إيران لم تُعزل دبلوماسياً بالكامل، رغم العقوبات والضغوط الأميركية، وأن دولاً عديدة لا تزال تحافظ على قنوات سياسية معها.
وجيوسياسياً، تكشف المشاركة عن تعدد المصالح الدولية المرتبطة بإيران، إذ قد تكون مشاركة بعض الدول مدفوعة باعتبارات سياسية أو اقتصادية أو استراتيجية، وليس بالضرورة بتأييد أيديولوجي للثورة الإسلامية.
أما رمزياً، فتحمل المشاركة رسالة معنوية مفادها أن استهداف القيادة لم يؤدِّ إلى انهيار الدولة أو محو حضور إيران الإقليمي والدولي.
حدود القوة الإسرائيلية والتفوق الجوي
ويرى أبو الغزلان أن الحرب كشفت أن التفوق الجوي والاستخباري الإسرائيلي، رغم قوته، ليس مطلقاً ولا يكفي وحده لحسم مواجهة مع إيران.
فقد تمكنت "إسرائيل"، بدعم أميركي، من ضرب مواقع عسكرية وقيادات ومنشآت صاروخية ونووية وإلحاق أضرار كبيرة بالقدرات الإيرانية، لكنها لم تتمكن من شل إيران أو منعها من مواصلة الرد.
ويعود ذلك، بحسبه، إلى امتلاك إيران عمقاً جغرافياً وسكانياً وصناعياً، وقدرة على إعادة بناء جزء من قدراتها، إضافة إلى شبكة إقليمية واسعة.
كما برز اعتماد "إسرائيل" على الدعم الأميركي في الذخائر والدفاعات والقدرات الاستراتيجية، بالتزامن مع كلفة الاستنزاف وصعوبة تعويض بعض الذخائر سريعاً.
التفوق العسكري لا يساوي الحسم السياسي
ويؤكد أبو الغزلان أن إحدى أبرز خلاصات الحرب هي ضرورة الفصل بين تدمير القدرة العسكرية للخصم وإجباره على القبول بالشروط السياسية.
فالولايات المتحدة و"إسرائيل" تمكنتا من إلحاق أضرار كبيرة بإيران، لكنهما لم تسقطا النظام، ولم تفرضا تسوية نهائية بشروطهما، ولم تنهيا قدرة إيران على الرد.
ومن هنا، فإن التفوق العسكري، مهما بلغ، يستطيع تغيير موازين القوة، لكنه لا يضمن وحده فرض واقع سياسي جديد أو بناء شرعية بديلة.
ويختصر أسباب عدم تحقق الحسم الكامل في أربعة عوامل:
تضخم الأهداف: انتقال الحرب من أهداف عسكرية محددة، كالبرنامج النووي والصواريخ، إلى أهداف سياسية أوسع كتغيير النظام والسلوك الإيراني.
عدم انهيار الدولة الإيرانية: فالضربات والاغتيالات لم تؤدِّ إلى انهيار الدولة.
استمرار القدرة على الرد: احتفظت إيران بقدرات مكنتها من مواصلة الرد وتهديد المصالح الأميركية والإسرائيلية.
ارتفاع كلفة الحرب: امتدت التداعيات إلى الخليج والملاحة والطاقة والقواعد الأميركية واستنزاف الذخائر، فضلاً عن الكلفة السياسية والاقتصادية.
وبالتالي، يخلص أبو الغزلان إلى أن واشنطن امتلكت قدرة هائلة على توجيه الضربات، لكنها لم تمتلك القدرة نفسها على التحكم في نتائج الحرب.
محور المقاومة: لم ينتهِ بل يعيد تشكيل نفسه
وفي ما يتعلق بمستقبل محور المقاومة، يرى أبو الغزلان أنه إذا كان الهدف من الحرب تفكيك المحور وإنهاء قدرته على العمل إقليمياً، فمن الصعب القول إن هذا الهدف تحقق.
أما إذا كان الهدف إضعافه وتقليص قدراته وإعادة تشكيل بيئته، فلا يمكن إنكار تحقيق بعض النتائج في إطار الصراع المستمر.
وبحسب قراءته، نجحت الحرب في إضعاف وتغيير شكل محور المقاومة، لكنها لم تنجح في القضاء عليه أو منعه من إعادة التشكل.
كما أن معادلة الردع بين إيران و"إسرائيل" انتقلت، وفق أبو الغزلان، من ردع متبادل نسبي إلى ردع أكثر اضطراباً وخطورة.
فقبل الحرب، كانت المعادلة تقوم على أن إيران تضغط عبر حلفائها، فيما تستهدف "إسرائيل" هذه القوى، مع تجنب الطرفين مواجهة مباشرة شاملة.
لكن الحرب كسرت هذا السقف، بعدما استخدمت إيران قدراتها مباشرة ضد "إسرائيل"، فيما أثبتت الأخيرة قدرتها على ضرب العمق الإيراني واستهداف قيادات ومنشآت استراتيجية.
وبذلك، أصبح الطرفان يدركان أن الحرب المباشرة ممكنة وليست مجرد احتمال نظري.
ومن المفارقات أن هذا الإدراك قد ينتج نوعاً من الردع الأقوى بعد الحرب: "إسرائيل" تدرك كلفة التعرض لهجمات إيرانية مباشرة، وإيران تدرك في المقابل قدرة "إسرائيل"، بدعم أميركي، على إلحاق أضرار كبيرة بمواقعها الحساسة.
وعليه، باتت المعادلة تقوم على قدرة إسرائيلية أكبر على الضرب، مقابل قدرة إيرانية مثبتة على الرد والاستمرار، أي ردع متبادل أكثر خطورة وأقل استقراراً.
إيران تعيد بناء الردع
ويقر أبو الغزلان بأن الحرب أضعفت الردع الإيراني، لكنها لم تلغه.
فقد تضرر مفهوم "الردع المتقدم" الذي كان يقوم على الرد عبر ساحات متعددة، خصوصاً مع تراجع قدرات حزب الله في لبنان وضعف الساحة السورية وتضرر الروابط بين هذه الساحات.
لكن إيران لا تزال، بحسبه، تمتلك قدرات صاروخية وعمقاً جغرافياً وعلاقات في العراق واليمن وقدرة على تهديد الملاحة وشبكة إقليمية قابلة لإعادة البناء.
ومن هنا، لم تختفِ شبكة الردع الإيرانية، وإنما بدأت إعادة توزيع مركز ثقلها وأدواتها.
ويختصر ذلك بالقول إن إيران فقدت جزءاً من ردعها السابق، لكنها لم تفقد القدرة على بناء ردع جديد.
اليمن والعراق في قلب المعادلة الجديدة
أما على مستوى العلاقة بين أطراف محور المقاومة، فيؤكد أبو الغزلان أن المحور ليس جيشاً موحداً، وإنما شبكة من قوى تتقاطع في مواجهة الولايات المتحدة و"إسرائيل"، لكنها تختلف في أولوياتها وحساباتها المحلية.
فإيران، وفق قراءته، تتجه نحو مزيد من اللامركزية والمرونة، بعدما أصبحت خطوط الاتصال التقليدية عبر سورية ولبنان أكثر عرضة للاستهداف.
أما حزب الله، فيواجه معادلة معقدة بين الحفاظ على قدرته الردعية وتجنب مواجهة مفتوحة، في ظل تغير البيئة اللبنانية والإقليمية وتصاعد الجدل حول السلاح والوجود الإسرائيلي.
وفي المقابل، ازدادت أهمية الحوثيين استراتيجياً بفعل موقعهم على البحر الأحمر وباب المندب، بما يمنح إيران ورقة ضغط بعيدة عن الجبهتين اللبنانية والسورية.
كما يمكن أن يزداد دور الفصائل العراقية في إعادة وصل بعض حلقات الشبكة، خصوصاً مع تراجع أهمية سورية كممر تقليدي، وظهور مؤشرات على تنسيق أكبر مع الحوثيين.
وفي المحصلة، يرى هيثم أبو الغزلان أن الحرب لم تُنهِ محور المقاومة، وإنما كشفت طبيعته بصورة أوضح: شبكة مرنة ومتعددة المراكز، قادرة على التكيف مع الضغوط وإعادة توزيع أدوارها ومراكز ثقلها.