هذه الاتهامات غير المسبوقة تعكس تحوّلاً في الخطاب السياسي والأمني لحكومة الشرع، وتكشف عن صراع جديد على الشرعية والنفوذ داخل سوريا ما بعد الأسد.
أبعاد الاتهامات الموجهة للنظام السابق
ربط البيان بين شخصيات من أبرز أركان النظام السابق وبين ما أسماه "خلايا إرهابية" ليس مجرد اتهام أمني، بل هو رسالة سياسية صريحة. ماهر الأسد، الذي كان يُعتبر رأس الحربة في العمليات العسكرية للنظام، وسهيل الحسن، المعروف بولائه للروس والذي يتواصل عبر اليهود الروس مع الاسرائيليين، يُقدَّمان اليوم في خطاب الشرع كأعداء داخليين يهددون استقرار الساحل السوري.
هذا التحول في الخطاب يهدف إلى أمرين:
1. شد عصب النظام الجديد بعد ظهوره بمظهر الضعيف الخانع امام اسرائيل والدروز، وحاجته للقبائل للصمود في وجه الدروز. وكذا يريد استعادة صورة التضامن السني في وجه خطر مزعوم من النظام السابق أمام جمهوره الطبيعي في اللاذقية وطرطوس من اهل المحافظتين من السنة فاللاذقية وطرطوس مدن سنية يسكنها علويون لكن الريف هو العلوي.
2. إعادة رسم معادلة السلطة، عبر تقديم حكومة الشرع كبديل قادر على فرض الأمن والسيادة، في وقت تعاني فيه مناطق الساحل من انقسامات داخلية بعد سقوط النظام السابق.
استهداف حزب الله: مواجهة غير مباشرة مع إيران
البيان لم يكتف بذكر أسماء الضباط السابقين، بل حمّل "حزب الله" مسؤولية تقديم دعم لوجستي لهذه الشبكات. هذا الاتهام المباشر للحزب يُعتبر انعطافة كبيرة في خطاب القوى السورية الجديدة، لأنه يعكس تصعيداً ضد النفوذ الإيراني في سوريا.
منذ سنوات، كان حضور حزب الله في سوريا يُبرّر باعتباره جزءاً من "حماية محور المقاومة". لكن حكومة الشرع، من خلال هذا البيان، تُلمح إلى أن الحزب بات يمثل جزءاً من "الإرهاب" الذي يهدد وحدة البلاد. هذه الرسائل تخدم إلى حد بعيد أجندات إقليمية ودولية تسعى إلى تقليص نفوذ إيران في سوريا، والشرع هنا يعلن البدء بتنفيذ التعاون الامني والاستخباري بينه وبين اسرائيل والذي وضعت لبناته الاولى فور سقوط النظام في ديسمبر 2024 ولكنه اصبح اكثر جدية بعد اجتماعات باكو ولم تؤثر فيه الغارات التي استهدفت دمشق مؤخرا.
الأبعاد الإقليمية والدولية
البيان جاء في وقت حساس يتزامن مع مفاوضات في باريس بين سوريا الجديدة وإسرائيل، برعاية فرنسية وأميركية، تتعلق بترتيبات ما بعد الحرب في الجنوب والساحل السوري.
من هنا، فإن لغة البيان تبدو موجهة للداخل والخارج معاً:
للداخل، كي يظهر الشرع كقائد حازم يلاحق خلايا النظام السابق وحلفائه.
وللخارج، خاصة الدول الراعية للتسوية، لإيصال رسالة أن حكومته هي الشريك الأكثر موثوقية في مكافحة الإرهاب وضبط الأمن
كما أن التركيز على "اللاذقية" ليس عشوائياً، فهذه المدينة تمثل رمزاً للنظام السابق، وإعلان السيطرة الأمنية عليها يحمل قيمة سياسية كبيرة، كأنه يقول: "هنا لم يعد للنظام القديم مكان".
واقع الصراع على الشرعية
من الواضح أن حكومة الشرع تحاول بناء شرعيتها عبر إظهار الحزم الأمني وفضح تواطؤ النظام السابق مع قوى إقليمية، بما في ذلك إيران وحزب الله. لكن هذا المسعى قد يحمل مخاطر، إذ إن الاتهامات الموجهة لشخصيات مثل ماهر الأسد وسهيل الحسن قد تؤدي إلى إشعال نزاعات مسلحة بين بقايا القوات الموالية للنظام وقوات الحكومة الانتقالية.
في الوقت نفسه، يبدو أن البيان يهدف إلى كسب دعم القوى الدولية التي ترى في النفوذ الإيراني وحزب الله عقبة أمام استقرار سوريا. فإدراج الحزب ضمن سياق "الإرهاب" يتوافق مع سياسات واشنطن وباريس وتل أبيب.