وتؤكد الوثائق التاريخية أن كل قوى الاستعمار والاحتلال التي مرت على المنطقة أدركت أن من يسيطر على الشقيف يسيطر على مفاتيح الشام وفلسطين معاً؛ فقد أعاد الصليبيون بناءها في القرن الثاني عشر لتكون خط الدفاع الأول عن مملكة بيت المقدس، وخاض صلاح الدين الأيوبي ضد حاكمها رينو دو صيدون حصاراً شهيراً ودبلوماسياً معقداً عام 1189 لإدراكه أن بقاءها بيد الصليبيين يهدد عمق دمشق وحركة جيوشه، كما استخدمها الأمير فخر الدين المعني الثاني كمعقل عسكري حاسم في مواجهة السلطنة العثمانية لتثبيت إمارته، مما يثبت أن العين الإسرائيلية لم تغب يوماً عن هذه الصخرة، حيث تظهر القراءة الاستقصائية للتحركات العسكرية والأمنية الصهيونية شواهد علمية تثبت هذا الطمع التاريخي المستمر.
وقد تجلى هذا الطمع بوضوح في الرسائل المتبادلة عام 1954 بين رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول ديفيد بن غوريون وموشيه دايان، والتي طرحت فكرة إقامة دولة تابعة في جنوب لبنان تكون حدودها نهر الليطاني، معتبرة أن السيطرة على المرتفعات الحاكمة كقلعة الشقيف هي العقدة الأساسية لتأمين حدود الكيان جغرافياً ومائياً، وهو الهوس الذي ترجمه الاحتلال ميدانياً خلال عملية الليطاني عام 1978 ثم في اجتياح عام 1982 عندما قاد مناحيم بيغن وأرييل شارون معركة شرسة للسيطرة عليها، حيث لم تكن صورتهما الشهيرة على أسوارها في اليوم التالي للاجتياح مجرد لقطة عابرة، بل كانت إعلاناً بامتلاك عين إسرائيل الحارسة فوق لبنان، والتي حولتها الوحدة الهندسية في جيش الاحتلال لاحقاً إلى أكبر موقع عسكري محصن في الشرق الأوسط عبر حفر خنادق إسمنتية تحت الأرض وتركيب أجهزة إنذار وتجسس إلكترونية متطورة جداً لرصد محيطها الحيوي.
وفي المواجهة الحالية، يعيد التاريخ نفسه بأدوات أكثر تدميراً ووعي عسكري مغاير، إذ يستند سعي الاحتلال للوصول إلى القلعة واستماتة المقاومة في منعه إلى حسابات استراتيجية بالغة الخطورة، حيث يتيح التمركز في الشقيف للاحتلال قدرة الرؤية البصرية واللاسلكية المباشرة للعمق اللوجستي وخطوط إمداد المقاومة، كما يسقط منصات الصواريخ قصيرة المدى ويحيد الوديان المحيطة التي تُستخدم لاستهداف مستوطنات الجليل، فضلاً عن تأمين شمال فلسطين المحتلة من أي تسلل بري نتيجة فقدان المهاجمين عنصر التعمية الجغرافية.
وفي المقابل، تنظر المقاومة الإسلامية إلى الدفاع عن القلعة كمعركة بقاء استراتيجي لمنع السيطرة بالنار على بلدات أرنون ويحمر وزوطر وكفرتبنيت التي تسقط عسكرياً تلقائياً في حال سقوط الشقيف، إلى جانب الإصرار على إبقاء قوات الاحتلال في المنحدرات الحدودية وحرمانها من اعتلاء الهضاب الحاكمة التي تجعل من جيشه صياداً بدلاً من أن يكون صيداً، ناهيك عن الرمزية المعنوية والتاريخية الكبرى للقلعة التي مثلت عنوان تحرير الجنوب عام 2000 عندما رُفعت راية المقاومة على أسوارها بعد اندحار الاحتلال، مما يجعل معركة اليوم صراعاً مصيرياً على الهندسة العسكرية لجنوب لبنان، تشتعل فيه النيران فوق حجارة التاريخ لترسم من جديد ميزان القوى على طول خط الجبهة من الناقورة إلى أعالي العرقوب.