وقد أسقطت هذه الأزمة القناع عن تماسك الجبهة الداخلية للكيان، فقرار إلزام "الحريديم" بالخدمة العسكرية فجّر صراعاً هوياتياً وسياسياً عميقاً يهدد بانهيار الائتلاف الحاكم، موضحاً أن المفهوم الصهيوني التقليدي القائم على "جيش الشعب" قد تآكل بنيوياً ولم يعد قادراً على الصمود أمام متطلبات حروب الاستنزاف طويلة الأمد.
ويتجلى هذا التآكل في عجز بشري ونقاط ضعف قاتلة تضرب مفاصل جيش الاحتلال، لعل أبرزها الإنهاك النفسي والجسدي واتساع رقعة الرفض والتهرب من الخدمة بين جنود الاحتياط الذين يرزحون تحت وطأة عبء اقتصادي وعسكري مستمر لشهور طويلة. يتزامن ذلك مع نقص حاد في الكوادر والضباط الميدانيين جراء الخسائر البشرية المرتفعة، مما أدى إلى فشل استراتيجية الردع؛ إذ يعكس الاضطرار لتمديد الخدمة الإلزامية عجز التكنولوجيا المتطورة وسلاح الجو عن حسم المعارك دون وجود بشري مكثف على الأرض.
إن استمرار الحرب دون صياغة "استراتيجية خروج" واضحة يضع قيادة الكيان أمام معضلة عسكرية مستحيلة، فإما مواصلة القتال بجيش منهك ومستنزف، أو الانصياع لشروط الميدان ومطالب الجبهات المقاومة، وهو ما يشكل اعترافاً صريحاً بالهزيمة التاريخية.