ورغم أن السلطات الإيرانية لم تصدر أي توضيح رسمي يؤكد أن اختيار الآيات كان مقصوداً أو يشرح أسباب هذا التنوع، إلا أن عدداً من وسائل الإعلام الإيرانية والعربية وصف الأمر بأنه لم يكن عشوائياً، بل اختياراً مدروساً يتناسب مع هوية كل وفد وعلاقته بطهران وموقفه من الأحداث الإقليمية
القرآن كأداة للرسائل السياسية
منذ قيام الجمهورية الإسلامية، اعتادت القيادة الإيرانية توظيف الخطاب الديني في التعبير عن مواقفها السياسية، لذلك رأى مراقبون أن تلاوة آيات محددة أمام كل وفد تأتي امتداداً لهذا النهج، بحيث تتحول الآية إلى رسالة غير مباشرة، من دون الحاجة إلى خطاب سياسي أو بيان رسمي.
ويقول محللون إن هذه الطريقة تمنح الرسالة بعداً دينياً وأخلاقياً في آن واحد، وتجعلها أقل صداماً من التصريحات المباشرة، لكنها أكثر تأثيراً لدى جمهور المنطقة الذي يدرك الدلالات القرآنية والتاريخية للآيات المختارة.
الوفد السعودي… الرسالة الأكثر إثارة للجدل
الوفد السعودي كان الأكثر تداولاً في وسائل الإعلام، بعدما تُليت أمامه الآية (13) من سورة آل عمران، التي تتحدث عن غزوة بدر وانتصار المؤمنين رغم قلة عددهم.
وربطت تحليلات عدة اختيار هذه الآية بالحرب الأخيرة وبالعلاقة المعقدة بين طهران والرياض، معتبرة أن الرسالة قد تعكس رؤية إيرانية تؤكد أن النصر لا يقاس بموازين القوة العسكرية فقط، بل بالإيمان والثبات. في المقابل، رأى آخرون أن تحميل الآية دلالات سياسية يبقى مجرد اجتهاد إعلامي، لعدم وجود تفسير رسمي من الجانب الإيراني.
تركيا… تذكير بدور الفاعلين
أما الآية التي رافقت دخول الوفد التركي، فتحدثت عن فضل المجاهدين على القاعدين، وهو ما فسره بعض المراقبين بأنه تلميح إلى مواقف أنقرة خلال التطورات الإقليمية الأخيرة، وأن إيران أرادت التأكيد على أهمية المواقف العملية لا الاكتفاء بالمواقف السياسية أو الدبلوماسية. لكن هذا التفسير أيضاً بقي في إطار التحليل، وليس الموقف الرسمي
حلفاء طهران… آيات الثبات والوفاء
في المقابل، لاحظ محللون أن الآيات التي قُرئت أمام وفود حلفاء إيران، مثل حزب الله وحماس وأنصار الله في اليمن، ركزت على مفاهيم الوفاء بالعهد والصبر والثبات وعدم الوهن، وهو ما اعتُبر انعكاساً لطبيعة العلاقة التي تربط هذه القوى بطهران، ورسالة تؤكد استمرار نهج ما يعرف بمحور المقاومة بعد رحيل الخامنئي.
دبلوماسية من نوع مختلف
وصف بعض المعلقين الإيرانيين هذه الخطوة بأنها شكل جديد من “الدبلوماسية القرآنية”، حيث تُستبدل الرسائل السياسية المباشرة بإشارات دينية تحمل أكثر من معنى، بينما رأى آخرون أن استخدام آيات القرآن لتوجيه رسائل إلى ضيوف قدموا للتعزية قد يثير جدلاً، ويترك انطباعات متباينة لدى الدول المشاركة
بين التأويل والحقيقة
حتى الآن، لا توجد رواية رسمية تؤكد أن اختيار الآيات كان جزءاً من بروتوكول سياسي مقصود، إلا أن حجم التفاعل الإعلامي، وتكرار اختيار آيات مختلفة لكل وفد، دفع كثيراً من المحللين إلى الاعتقاد بأن إيران أرادت أن تقول الكثير… ولكن من خلال القرآن، لا عبر البيانات السياسية.
وبين من اعتبرها رسالة دبلوماسية ذكية، ومن رأى فيها مبالغة في التأويل، تبقى هذه الخطوة واحدة من أكثر تفاصيل مراسم العزاء إثارة للنقاش، بعدما نجحت في تحويل تلاوة آيات قرآنية إلى حدث سياسي وإعلامي بامتياز