ويشير الموقع إلى أن القضية لا تتعلق بمجرد نزاع على ملكيات عقارية، بل بملف يمس حجم الثروة العامة وطريقة إدارتها، ولا سيما في بلد محدود المساحة ويعاني منذ سنوات من ضغوط مرتبطة بالأراضي والإسكان.
ففي عام 2010، خلصت لجنة التحقيق النيابية في أملاك الدولة العامة والخاصة إلى أن نحو 65 كيلومترًا مربعًا من الأراضي والعقارات العامة تعرضت، وفق ما قالت اللجنة إنه وثائق وأدلة جمعتها خلال تحقيق استمر 29 شهرًا، للتحويل أو التعدي لمصلحة ملكيات خاصة. وقدرت اللجنة القيمة الدنيا لهذه العقارات بنحو 15 مليار دينار بحريني.
ويعيد "بحريني ليكس" طرح السؤال الذي رافق القضية منذ بدايتها: من يحاسب المسؤولين عن التصرف في أملاك الدولة عندما تتعلق الاتهامات بمساحات شاسعة من الأراضي وبشخصيات ومؤسسات نافذة؟
ولفهم حجم المساحة التي تحدثت عنها لجنة التحقيق، يلفت التقرير إلى أن مساحة محافظة المحرق، بحسب بوابة البيانات الحكومية البحرينية، تبلغ نحو 74.1 كيلومترًا مربعًا، ما يعني أن مساحة الأراضي البالغة 65 كيلومترًا مربعًا تقل عن مساحة المحافظة بأقل من عشرة كيلومترات مربعة.
كما يشير إلى أن مساحة البحرين البرية عام 2010 بلغت نحو 762 كيلومترًا مربعًا، وفق البيانات الحكومية، ما يجعل مساحة الـ65 كيلومترًا مربعًا تعادل قرابة 8.5 في المئة من مساحة اليابسة في المملكة آنذاك.
وكانت لجنة التحقيق قد حددت عددًا من المواقع التي قالت إن ملكياتها أو أوضاعها أثارت شبهات، بينها أراضٍ في المحرق وشمال المنامة وكرانة والأراضي المحيطة بالمدينة الشمالية وعوالي ومواقع أخرى. وقال رئيس اللجنة آنذاك عبدالجليل خليل إن التحقيق وثق 23 عقارًا تمتد على مساحة إجمالية تبلغ 65 كيلومترًا مربعًا.
وتظهر وثائق وتصريحات منشورة في الصحافة البحرينية آنذاك أن اللجنة تحدثت عن أمثلة محددة، من بينها عقار مخصص لمدينة إسكانية في المحرق بمساحة 5.5 كيلومترات مربعة، وأراضٍ شمال مدينة المنامة بمساحة 11.5 كيلومترًا مربعًا، فضلًا عن أراضٍ محيطة بالمدينة الشمالية قُدرت مساحتها بنحو 37 كيلومترًا مربعًا.
15 مليار دينار.. ثروة عامة موضع جدل
وبحسب "بحريني ليكس"، قدرت لجنة التحقيق القيمة الدنيا للأراضي التي تناولها التحقيق بـ15 مليار دينار بحريني، فيما طُرحت في ذلك الوقت تقديرات أعلى.
ويعادل هذا الرقم نحو 39.9 مليار دولار أميركي وفق سعر ربط الدينار البحريني بالدولار، وليس ملايين الدولارات.
وكان رئيس لجنة التحقيق عبدالجليل خليل قد أوضح آنذاك أن تقدير الـ15 مليار دينار يمثل الحد الأدنى لقيمة العقارات التي ثبت للجنة، بحسب الوثائق التي اطلعت عليها، حصول تعديات عليها. كما نقلت عنه الصحافة البحرينية أن تقديرات أخرى وصلت إلى 20 مليارًا وحتى 25 مليار دينار، إلا أن اللجنة اعتمدت الرقم الأدنى.
ولم يكن الرقم مجرد تقدير عقاري، إذ استخدمه رئيس اللجنة للمقارنة مع احتياجات البحرين المالية. فقد أشار إلى أن 15 مليار دينار تعادل عدة سنوات من الموازنة العامة، كما قال إن المبلغ كان قادرًا، وفق تقديرات خطة وزارة الإسكان آنذاك، على تغطية الاحتياجات الإسكانية حتى عام 2030.
كما تحدثت مصادر مرتبطة بالتحقيق عن قدرة مساحة الـ65 كيلومترًا مربعًا على استيعاب مئات آلاف الوحدات السكنية، ما يجعل القضية أكثر ارتباطًا بالحياة اليومية للمواطنين، خصوصًا في ظل استمرار أزمة الإسكان والحاجة إلى الأراضي.
وبالحساب النظري، تعادل مساحة 65 كيلومترًا مربعًا نحو 65 مليون متر مربع، وهي مساحة عقارية ضخمة بالنسبة إلى دولة محدودة المساحة.
الحكومة شككت في أرقام التحقيق
لكن القضية لم تخلُ من رواية رسمية مغايرة.
فالحكومة البحرينية رفضت نتائج لجنة التحقيق النيابية بالشكل الذي قدمت به، وقالت اللجنة الوزارية التي درست التقرير إن تقدير الـ65 كيلومترًا مربعًا لم يستند، بحسب تقييمها، إلى أسس ومعايير دقيقة.
وأفادت الرواية الحكومية بأن كثيرًا من الأراضي التي أثيرت بشأنها الشبهات كانت لا تزال ضمن الأملاك الحكومية، وأن الأراضي المختلف عليها تبلغ، وفق تقييمها، نحو 29 كيلومترًا مربعًا.
في المقابل، تمسك رئيس لجنة التحقيق البرلمانية بنتائج لجنته، مؤكدًا أنها استندت إلى وثائق وسجلات رسمية، ورفض ما اعتبره تشكيكًا في جوهر التحقيق.
وبذلك بقي الملف عالقًا بين رواية برلمانية تتحدث عن 65 كيلومترًا مربعًا بقيمة لا تقل عن 15 مليار دينار، ورواية حكومية تشكك في الأرقام والمنهجية.
أراضٍ عامة تتحول إلى ملكيات خاصة
ويشير "بحريني ليكس" إلى أن خطورة القضية لا تكمن في القيمة المالية وحدها، بل في طبيعة التحولات التي قالت لجنة التحقيق إنها رصدتها في سجل أملاك الدولة.
وتظهر في الوثائق التي عرضتها اللجنة أمثلة لعقارات قالت إنها كانت مخصصة لمشاريع إسكانية أو مدارس أو حدائق أو مرافق عامة، ثم تغيرت أوضاع ملكيتها.
ومن بين الأمثلة التي أوردها رئيس اللجنة آنذاك عقارات في الرفاع الشرقي كانت مخصصة لحدائق عامة وسوق مركزي ومواقف سيارات، إضافة إلى أراضٍ في السنابس وعقارات أخرى قيل إنها خرجت من سجل الأملاك العامة.
كما أثارت اللجنة أسئلة حول أراضٍ في مناطق ساحلية ومشروعات استثمارية، بينها عقارات قالت إن ملكيتها أو طريقة التصرف فيها لم تكن واضحة بما يكفي أمام الجهات الرقابية.
قانون التصرف في أملاك الدولة
وتزداد حساسية الملف في ضوء الإطار القانوني الناظم للتصرف في الأراضي المملوكة للدولة.
فبحسب المرسوم بقانون رقم 19 لسنة 2002 بشأن التصرف في الأراضي المملوكة للدولة ملكية خاصة، لا يجوز، باستثناء الهبات التي يقررها الملك، التصرف في الأراضي الخاضعة للقانون إلا بمرسوم ملكي.
ومن هنا، يطرح "بحريني ليكس" سؤالًا يتجاوز الجانب العقاري: إذا كانت التصرفات في الأراضي العامة تتم ضمن منظومة السلطة، فمن يمتلك القدرة الحقيقية على مراقبة هذه التصرفات ومحاسبة المسؤولين عنها عندما تظهر شبهات تتعلق بالمال العام؟
أكثر من عقد ونصف.. والأسئلة لا تزال قائمة
بعد أكثر من 16 عامًا على فتح الملف، لا تزال الأسئلة المتعلقة بمصير الأراضي التي تحدثت عنها لجنة التحقيق مطروحة: ما الذي استُعيد إلى ملكية الدولة؟ وما الذي بقي في الملكيات الخاصة؟ وعلى أي أساس قانوني جرى نقل الملكيات؟ ومن المستفيد من عمليات التصرف؟
ويرى "بحريني ليكس" أن الشفافية في هذا الملف لا يمكن أن تقتصر على نفي أرقام التحقيق القديمة، بل تتطلب نشر سجل حديث وشامل لأملاك الدولة، يوضح الأراضي التي ما زالت ملكًا عامًا، وتلك التي جرى التصرف فيها، والجهات التي انتقلت إليها الملكية والأساس القانوني لكل عملية.
وتكتسب هذه المطالب أهمية إضافية في ظل استمرار الحاجة إلى الأراضي والمساكن في البحرين، إذ إن تحويل مساحات واسعة من الملك العام إلى ملكيات خاصة، إذا ثبت، يعني عمليًا تقليص المخزون العقاري الذي يفترض أن يكون متاحًا لخدمة الأجيال والمشاريع العامة.
وبحسب الموقع، فإن القضية لا تتعلق فقط بما إذا كان رقم 65 كيلومترًا مربعًا دقيقًا بالكامل أو محل خلاف، بل بالسؤال الأوسع: أين أصبحت أملاك الدولة التي كانت موضع تحقيق برلماني؟
فالأراضي، كما يخلص التقرير، لا تنتقل من الملكية العامة إلى الخاصة من دون قرارات ووثائق وسجلات، ولا يمكن أن يُغلق ملف بهذا الحجم بمجرد مرور السنوات.
وبعد عقد ونصف على فتح القضية، يبقى ملف أملاك الدولة في البحرين اختبارًا حقيقيًا لمستوى الشفافية والمساءلة وحماية المال العام، ويظل السؤال الأبرز حاضرًا: إذا كانت أملاك الدولة ملكًا للشعب، فمن يحاسب من يتصرف بها، ومن يعيد إلى البحرينيين ما ثبت أنه خرج من الملكية العامة؟